من 5 فتيات بدأن التدريب على العزف والغناء، إلى فرقة تجوب المحافظات المصرية وتشارك في مهرجانات محلية ودولية، تقدم "طبلة الست" تجربة فنية تسعى إلى إحياء الأغاني الشعبية المصرية وإعادة تقديمها بإيقاعات تقودها النساء، في مجال ارتبط تقليدياً بالرجال.
فقد تأسست الفرقة عام 2019 بقيادة الفنانة سهى محمد علي، التي جمعت بين شغفها بالغناء الشعبي واهتمامها بالإيقاع، لتطلق مشروعاً فنياً يعتمد على الأغاني التراثية والآلات الإيقاعية، مع التركيز على الفلكلور الصعيدي وألوان الغناء الشعبي في مختلف مناطق مصر.
ولم تنطلق فكرة الفرقة من تجربة عابرة، إذ بدأت علاقة سهى بالتراث منذ طفولتها، عندما كانت تستمع إلى الأغاني الشعبية وتدوّن كلماتها، وتحاول فهم معانيها والتعرف إلى أصولها.
وخلال دراستها في كلية الآداب، قسم اللغة الألمانية، انضمت إلى فرقة رضا والفرقة القومية للفنون الشعبية، وشاركت في تجارب فنية أتاحت لها التعرف إلى أنماط الغناء والفلكلور في المحافظات المصرية.

عن هذا قالت مؤسسة الفرقة، في حديث لموقع "بلينكس"، إنها واصلت بعد تخرجها البحث في الأغاني الشعبية ودراسة لهجاتها وأصول كلماتها، خصوصاً في صعيد مصر، كما درست الإيقاع في معهد الموسيقى العربية، وتعلمت الغناء الصعيدي من فرقة ملوي بمحافظة المنيا.
وأسهمت هذه التجارب في تكوين رصيد معرفي وفني استندت إليه عند تأسيس "طبلة الست"، إذ لم يقتصر اهتمامها على أداء الأغاني، بل امتد إلى البحث في جذورها وصلتها بعادات المصريين وتقاليدهم.
ومع إتقانها العزف الإيقاعي والغناء، قررت الجمع بينهما في عرض جماعي، بدلاً من تقديم هذا اللون الفني بمفردها.
من 5 فتيات إلى فرقة موسيقية
بدأت خطوات تأسيس الفرقة عندما تواصلت سهى مع فتيات تعرفت إليهن خلال دورات تعليم العزف، وتولت تدريبهن على الإيقاع والغناء، قبل أن تقدم "طبلة الست" أول عروضها في معهد غوته عام 2019.

وأوضحت سهى أن تأسيس فرقة نسائية جاء انطلاقاً من رغبتها في إتاحة الفرصة أمام النساء لممارسة العزف والغناء، وقناعتها بأن أي مهنة أو آلة موسيقية لا ينبغي أن تكون حكراً على الرجال أو النساء.
كما ترى أن الإيقاعات الشعبية قادرة على إدخال البهجة إلى الجمهور، وإعادة ربط الأجيال الجديدة بأغانٍ توارثها المصريون عبر الزمن، لكنها باتت أقل حضوراً في المشهد الموسيقي المعاصر.
أغانٍ قديمة بإيقاعات نسائية
تعتمد الفرقة في عروضها على الغناء المصحوب بالطبلة والدفوف والآلات الإيقاعية، من دون الاستعانة بالموسيقى الإلكترونية الحديثة، مع التركيز على الفلكلور الشعبي القديم.

وتعيد "طبلة الست" تقديم أغانٍ تراثية معروفة، من بينها "يا صلاة الزين" و"الحلوة دي" و"آه يا لالالي"، إلى جانب مقاطع من السيرة الهلالية، أمام جمهور تشكل فئة الشباب نسبة كبيرة منه.
كما تكمن خصوصية التجربة في الجمع بين الغناء الشعبي والعزف الإيقاعي النسائي، إلى جانب الاهتمام بالتفاصيل البصرية للعروض، بدءاً من اختيار الأغاني وصولاً إلى الملابس التي تظهر بها العضوات على المسرح.
إلى العالم
تحرص الفرقة على الوصول إلى جمهور المحافظات المصرية المختلفة، من القاهرة والإسكندرية إلى الإسماعيلية وبورسعيد ومطروح، وصولاً إلى أسوان، حيث يتيح هذا الانتشار تقديم ألوان متنوعة من الفلكلور المصري، والتواصل مع جماهير تختلف عاداتها وتقاليدها الموسيقية من منطقة إلى أخرى.

وأشارت سهى إلى أن تفاعل الجمهور مع العروض يمثل دافعاً أساسياً للاستمرار والتطوير، موضحة أن تشجيع الحاضرين حفّز العضوات على تحسين أدائهن وتوسيع قائمة الأغاني التي يقدمنها.
وأكدت حبيبة، إحدى عازفات الفرقة، هذا المعنى في حديثها لموقع "بلينكس"، موضحة أنها انضمت إلى "طبلة الست" بعدما صادفت إعلاناً يبحث عن عازفات جديدات، ووجدت في الفرقة فرصة لتطوير موهبتها في العزف الإيقاعي.
أيضا قالت حبيبة إنها شاركت في أول حفلة لها ضمن مهرجان "إيزيس" في سبتمبر 2021، وإن أكثر ما يسعدها خلال العروض هو مشاهدة تفاعل الجمهور مع الإيقاعات، والتعبير عن إعجابه بأداء الفرقة.
كما لم يقتصر حضور "طبلة الست" على الحفلات المحلية، إذ شاركت في مهرجان الطبول بالقاهرة، ومهرجان سينما المرأة في أسوان، ومهرجان "إيزيس" في القاهرة، إلى جانب مهرجان جرش في الأردن، كذلك ظهرت الفرقة في فعاليات فنية أخرى، من بينها مهرجان العلمين الجديدة عام 2024، في إطار سعيها إلى توسيع حضورها وتعريف جمهور أوسع بألوان الغناء الشعبي المصري.
من معبد دندرة إلى خشبة المسرح
يذكر أن هوية الفرقة ترتبط أيضاً برؤية مؤسستها للتراث المصري القديم، إذ لفتت انتباه سهى، خلال زيارة إلى معبد دندرة بمحافظة قنا، جدارية تصور نساء يحملن الدفوف.

وقالت لـ"بلينكس"، إن هذا المشهد ألهمها مواصلة مشروعها الفني وتكوين فرقة نسائية تستحضر الحضور التاريخي للنساء في الموسيقى.
كما ترى سهى أن الرسوم والنقوش الموجودة على جدران المعابد المصرية القديمة توثق حضور العزف والغناء والإيقاع في الثقافة المصرية منذ آلاف السنين، وأن استلهام هذه المشاهد يمنح تجربتها امتداداً بصرياً وثقافياً.
إلى ذلك، تواصل "طبلة الست" بين الأغاني المتوارثة وإيقاعات الدفوف والطبول، تقديم الفلكلور المصري بروح معاصرة، في تجربة تسعى إلى الحفاظ على التراث الشعبي، وإبراز حضور النساء في أدائه ونقله إلى الأجيال الجديدة.





