أزمة التقاعد بأوروبا… شيخوخة متسارعة تُنهك سخاء المعاشات
تشير صحيفة
فايننشال تايمز إلى أن أوروبا تدخل مرحلة ديموغرافية حساسة مع ارتفاع أعداد كبار السن وتراجع المواليد، وهو ما يفرض ضغطا على أنظمة المعاشات وميزانيات الدول.
وتوضح الصحيفة أن ما يقرب من نصف إنفاق الحماية الاجتماعية في الاتحاد الأوروبي يذهب حاليا إلى معاشات التقاعد، بينما تتراجع حصة الإنفاق على الصحة والعجز، في انعكاس مباشر لاختلال التوازن بين السكان العاملين والمتقاعدين.
كما تذكر أن دولا كفرنسا وإيطاليا وألمانيا تستعد لموجة إنفاق أعلى خلال العقود المقبلة في ظل ارتفاع متوسط العمر وتراجع الخصوبة.
وتنقل فايننشال تايمز أن المملكة المتحدة، رغم اعتمادها الأكبر على القطاع الخاص، تتوقع ارتفاع تكلفة معاش الدولة من 5% إلى نحو 7.7% من الناتج المحلي بحلول سبعينيات هذا القرن، وهو ما يؤشر إلى أن التحدي لم يعد محصورا في دول جنوب أوروبا، بل بات أزمة قارية شاملة.
فرنسا على خط الأزمة.. تراجع المواليد يزعزع نموذجها الاجتماعي
تفيد صحيفة
لو موند أن فرنسا، التي كانت لسنوات طويلة تعد استثناء أوروبيا بفضل معدل خصوبة مرتفع نسبيا، أصبحت اليوم جزءاً من المسار القاري نفسه.
وتشير الصحيفة إلى أنّ عدد الولادات انخفض في 2023 إلى أقل من 700 ألف، وهو أدنى رقم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، بينما تراجع معدل الخصوبة إلى 1.68 طفل لكل امرأة، بعيدا عن عتبة الإحلال الديموغرافي البالغة 2.1.
وتحذر لو موند من أن تراجع المواليد بالتوازي مع ارتفاع متوسط العمر يضغط بشكل مباشر على تمويل نظام الضمان الاجتماعي، حيث يتقلص عدد المساهمين مقارنة بعدد المستفيدين.
وتشير الصحيفة إلى أن المبادرات الحكومية الأخيرة، مثل إجازة الولادة الجديدة أو برامج معالجة العقم، قد تساعد في التخفيف من الضغوط، لكنها ليست قادرة على تغيير الاتجاه العام، ما يجعل مسألة الهجرة، وإصلاحات التقاعد، ومساهمات العاملين عناصر لا يمكن تجاهلها في النقاشات المقبلة.
فجوة الأجيال تتسع.. المتقاعدون في فرنسا يتفوّقون دخلًا على العاملين الشباب
يبرز تقرير نشرته صحيفة
تشوسون إلبو جانبا آخر من الأزمة، إذ يكشف أن المتقاعدين في فرنسا باتوا يحصلون على متوسط دخل أعلى من الجيل العامل. ويستند التقرير إلى بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي تظهر أنّ متوسط دخل من تجاوزوا 65 عاما يصل إلى 101% من متوسط دخل الفئة العاملة، وهو وضع غير مسبوق في فرنسا وفي أغلب الدول الصناعية.
ويشير التقرير إلى أنّ هذا الواقع ناجم عن ارتفاع معدل الاستعاضة في المعاشات، الذي يبلغ 72% من الدخل السابق للتقاعد، إضافة إلى تمركز نحو 60% من الثروة العقارية والمالية في يد من تجاوزوا سن الستين.
ويرى التقرير أن هذا التفاوت بين الأجيال يزيد من صعوبة حصول الشباب على السكن ويدفعهم لمواجهة أعباء مالية أكبر، بينما تتصاعد كلفة الإنفاق الاجتماعي على الدولة.
كما يشير إلى أن الدين العام الفرنسي وصل إلى 113% من الناتج المحلي، في وقت تواجه فيه الحكومة صعوبة في تمرير إصلاحات التقاعد وسط اعتراضات سياسية واجتماعية كبيرة.
توضح فايننشال تايمز أن الحكومات الأوروبية تجد نفسها محاصرة بين ارتفاع كلفة الشيخوخة وتراجع عدد السكان في سن العمل، وبين رفض شعبي لأي من الحلول المطروحة.
وتشير الصحيفة إلى أنّ استطلاعات الرأي في دول مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا تُظهر إدراكا عاما بأن أنظمة التقاعد غير قابلة للاستمرار ماليا، لكن في المقابل يرفض المواطنون رفع سن التقاعد أو خفض المعاشات أو زيادة الضرائب أو توسيع الهجرة لسدّ النقص في العمال.
وتذكر الصحيفة أن ألمانيا تصف نظام التقاعد لديها بأنه "المعضلة الكبرى"، بينما تتوقع إيطاليا أن ترتفع كلفة المعاشات إلى 17.3% من الناتج المحلي بحلول منتصف القرن.
أما دول الشمال، التي تعتمد نموذج رفع سن التقاعد تدريجيا وربطه بمتوسط العمر، فتواجه أيضا مقاومة سياسية آخذة في الارتفاع. ويتفق عدد من الخبراء الذين تستشهد بهم الصحيفة على أنّ غياب النمو الاقتصادي الكافي يجعل الخيارات أصعب، لأن الأنظمة الاجتماعية الحالية صممت لعقود كان فيها النمو والمواليد أعلى بكثير من المستويات الحالية.