ذكرت صحيفة لي زيكو الفرنسية أن قطاع المدفوعات العالمي يشهد تحولا جذريا غير مسبوق، بعد أن تجاوزت معاملات العملات المستقرة Stablecoins لأول مرة حجم العمليات التي تمر عبر شبكة فيزا، إحدى أقدم وأقوى المؤسسات المالية في العالم.
ويأتي هذا التحول مدفوعا بنمو قياسي بلغ 88% خلال عام واحد، ليمثل لحظة مفصلية تؤكد انتقال العملات الرقمية من الهامش إلى قلب الاقتصاد العالمي.
وتحذّر دراسة Accenture من أن هذا التطور لم يعد مجرد اتجاه تقني، بل تهديد مباشر لنماذج العمل التقليدية للبنوك، إذ تتجه الشركات شيئا فشيئا نحو حلول دفع بديلة لا تمر عبر الأنظمة المصرفية.
وتشكل هذه الخطوة تحديا للبنوك التقليدية التي قد تخسر جزء كبير من إيرادات المدفوعات التي طالما شكلت إحدى ركائزها الأساسية.
نمو هائل يغير قواعد اللعبة
بحسب التقرير، قفز حجم المعاملات بالعملات المستقرة بين أكتوبر 2024 وأكتوبر 2025 إلى 51 تريليون دولار، أي ما يعادل 81% من إجمالي المعاملات التي تديرها "فيزا" في الفترة نفسها.
وتشير البيانات المستندة إلى دراسة لشركة Accenture إلى أن شهر سبتمبر شكل لحظة مفصلية، إذ شهد للمرة الأولى تفوق معاملات العملات المستقرة على فيزا.
ويصف خبراء Accenture هذه الظاهرة بأنها "الانفصال الكبير" في عالم المدفوعات، حيث تنتقل العملات الرقمية من هامش الأسواق إلى قلب تعاملات الشركات.
ويحذر مسؤولو الشركة من "مخاطر حقيقية تتعلق بإزاحة الوسطاء التقليديين" في حال لم تتحرك البنوك سريعا.
موجة اعتماد جديدة تقودها شركات التكنولوجيا المالية
تشير لي زيكو إلى أن الشركات حول العالم باتت تظهر تفضيلا واضحا للمدفوعات غير التقليدية، مثل العملات الرقمية والمحافظ الإلكترونية والخدمات المالية غير المصرفية.
ويبرز في هذا السياق دور شركات مثلPayPal ،Wise ،Airwallex ، Coinbase، خاصة بعد إطلاق باي بال عملتها المستقرة وتعاونها مع OpenAI لإتاحة الخدمة مباشرة داخل ChatGPT.
وتحذر الدراسة من أن استخدام "المحافظ المغلقة" يعني تجاوز البنوك بالكامل، ما يهدد نماذج أعمال قائمة منذ عقود.
وفي مواجهة ذلك، بدأت عدة بنوك، مثل Société Générale عبر فرعها SG Forge، إطلاق عملاتها المستقرة الخاصة بالدولار واليورو، إلى جانب تحالفات مصرفية جديدة تسعى للحاق بالتحول المتسارع.
سباق سيادة مالية.. وتحديات للبنوك في مواجهة مستقبل رقمي
تؤكد الصحيفة أن سيطرة الشركات الأميركية على سوق العملات المستقرة، خصوصا شركة Tether التي أصبحت لاعبا "نظاميا" في الاقتصاد العالمي، تثير مخاوف أوروبية عميقة تتعلق بالسيادة المالية. وفق التقرير، أصبحت Tether ثامن عشر أكبر حامل للسندات الأميركية، متقدمة على اقتصادات كبرى مثل ألمانيا وكوريا الجنوبية.
وفي الوقت ذاته، تتجه 135 دولة لاستكشاف أو تطوير عملات رقمية للبنوك المركزية، ما يهدد بإضعاف دور البنوك التجارية التقليدية في الاحتفاظ بالودائع.
وتظهر البنوك الأوروبية رفضا صريحا لمشروع "اليورو الرقمي" خوفا من فقدان قاعدة الودائع التي تعد أساسا لعملياتها.
وترى Accenture أن الحل الأمثل يكمن في "ترميز الودائع"، Tokenization، لضمان بقاء البنوك جزءا من عملية خلق النقود.
في واشنطن، لم تعد معركة تنظيم العملات المشفّرة مجرّد نقاش تقني. "مكافآت" تُمنح لحاملي بعض العملات المستقرة، بعوائد تصل إلى 3.5% تحوّلت إلى نقطة اشتعال بين البنوك وشركات الكريبتو.
البنوك تقول إنها "فوائد ودائع مقنّعة" بلا رقابة، وشركات الكريبتو تردّ بأن الأمر حوافز ومنافسة.
وبين الطرفين، مشروع قانون يُفترض أن يرسم أول إطار تنظيمي شامل للأصول الرقمية في الولايات المتحدة يتعثر، فيما تُحذّر تقديرات وزارة الخزانة من سحبٍ محتمل قد يصل إلى 6.6 تريليونات دولار من ودائع النظام المصرفي، ويرتبط جزء من ذلك بهذه المكافآت.
ما هي "المكافآت" ولماذا تُخيف البنوك؟
المكافآت، وفق توصيف صناعة الكريبتو، هي مدفوعات سنوية للمستخدم تُحتسب كنسبة من إجمالي ما يحتفظ به من رموز رقمية، وتُستخدم غالبًا مع العملات المستقرة المرتبطة بالدولار المستخدمة في التداول والمدفوعات العابرة للحدود وتحويل الأموال.
البنوك ترى الصورة بشكل مختلف، مكافآت العملات المستقرة، مثل مكافأة 3.5% التي ترتبط ببرنامج لدى "كوين بيس"، تشبه "ودائع مرتفعة العائد" لكن من دون القيود التنظيمية التي تُلزم بها البنوك عند الاحتفاظ بأموال العملاء.
ويبرز هنا التفاوت الصارخ في الأرقام، متوسط الفائدة الوطني على حساب جارٍ مُدرّ للفائدة في الولايات المتحدة أقل من 0.1%، ما يجعل أي عائد أعلى بمثابة مغناطيس قد يجذب السيولة خارج المصارف.
عندما يتحول اللوبي إلى "فرامل" تشريعية
هذا الصدام كان من بين العوامل التي أخّرت تصويتًا كان متوقعًا داخل لجنة المصارف في مجلس الشيوخ للمضي قدمًا في تشريع يحدد "هيكل السوق" للعملات المشفّرة.
رئيس اللجنة، السيناتور تيم سكوت، أرجأ جلسة مناقشة التعديلات قبل ساعات من موعدها، مشيرًا إلى أن المفاوضات بين الحزبين ما زالت مستمرة.
المعادلة معقدة، مجلس النواب أقرّ نسخته، لكن تمرير القانون في الشيوخ يتطلب عمليًا 60 صوتًا. ومعركة المكافآت زادت التردد لدى بعض الجمهوريين القريبين من البنوك، وأثارت قلق بعض الديمقراطيين الذين يدفعون أيضًا باتجاه قيود أخلاقية مرتبطة بأنشطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مجال العملات المشفّرة، ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد أمام أي توافق سريع.
360 مليار دولار في الخلفية.. من المستفيد؟
في خضم النقاش، برزت رواية أخرى مدعّمة بأرقام تداولها مسؤولون في "كوين بيس"، البنوك الأميركية، بحسب أرقام أُرفقت في منشورات سياسية داخل النقاش، تجني نحو 176 مليار دولار سنويًا من فوائد أرصدة تُودعها لدى الاحتياطي الفيدرالي (نحو 3 تريليونات دولار)، وتحصّل نحو 187 مليار دولار أخرى من رسوم تمرير بطاقات الدفع، أي ما يقارب 1,400 دولار لكل أسرة.
أكثر من 360 مليار دولار من الإيرادات من المدفوعات والودائع وحدها، وهو ما يجعل أي منافس يقدّم عائدًا للمستخدمين ويُخفّض كلفة المدفوعات تهديدًا مباشرًا لنموذج قائم.
وهنا يبرز بُعد إضافي، تقرير يتحدث عن أن المدفوعات على السلسلة (On-chain) قد تتجاوز بنية رسوم البطاقات، في وقت بلغ حجم مشتريات البطاقات في الولايات المتحدة 11.9 تريليون دولار في 2024، ورسوم قبول/معالجة بنحو 187.2 مليار دولار.
قانون GENIUS وثغرة "الولاء"
قانون GENIUS الموقّع في يوليو 2025 يحظر على مُصدري العملات المستقرة دفع فائدة أو عائد "مباشرًا أو غير مباشر".
لكن النقاش يدور حول كيفية التطبيق، منصات تداول تُمرّر المكافآت عبر برامج تابعة/شريكة وتتعامل معها كـ"حوافز ولاء" بدلًا من اعتبارها فائدة.
جمعية المصرفيين الأميركيين، مع عشرات الجمعيات المصرفية على مستوى الولايات، وصفت ذلك بـ"الثغرة"، وحثّت الكونغرس على توسيع الحظر ليشمل "جميع الكيانات والشركاء التابعين".
في المقابل، ترد منصات الكريبتو بأن القانون يستهدف المُصدرين لا الوسطاء.
تسوية مطروحة.. ولكن لا أحد يضمن نهايتها
محاولة التسوية ظهرت في مسودة حديثة لتشريع "هيكل السوق" حظر بعض المكافآت لمجرد الاحتفاظ بالعملات المستقرة، والسماح بها إذا كانت مرتبطة بأنشطة أخرى مثل استخدامها للمدفوعات أو تلقي حوافز ومكافآت. ومع ذلك، يرى أشخاص مطلعون على النقاشات أن مجموعات مصرفية ما زالت تدفع نحو حظر شامل للمكافآت ومدفوعات العائد.
في المقابل، صعّد قطاع الكريبتو ضغطه. الرئيس التنفيذي لـ"كوين بيس" براين أرمسترونغ قال إن الشركة لا تستطيع دعم مشروع القانون بصيغته الحالية إذا تضمنت "مسودات تعديلات تقتل مكافآت العملات المستقرة"، فيما حذّر محللون من أن تراجع أكبر منصة تداول أميركية عن دعم المشروع قد يضع مستقبل القانون على المحك، رغم استمرار دعم جهات أخرى في القطاع.





