لم يكن تثبيت كيفن وارش رئيسا للاحتياطي الفيدرالي مجرد تبديل اسم على رأس أقوى بنك مركزي في العالم. فالرجل الذي صادق عليه مجلس الشيوخ بـ54 صوتا مقابل 45، في أكثر تصويت حزبي على مرشح لرئاسة الفيدرالي في التاريخ، يتسلم المؤسسة من جيروم باول وهي خارجة من 8 سنوات عاصفة: جائحة، تضخم، رفع فائدة بأسرع وتيرة منذ 4 عقود، أزمة مصارف، ثم صدام مفتوح مع البيت الأبيض دفاعا عن استقلال البنك المركزي الأميركي.
وارش يُنظر إليه على أنه أقرب إلى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي طالب طويلا بخفض أسعار الفائدة. لكن الكرسي الذي يجلس عليه لا يبدو مريحا. فالتضخم ارتفع إلى أعلى مستوى في 3 سنوات في أبريل، وتجاوز نمو الأجور، فيما تزيد الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ضغوط الطاقة وتربك رهانات خفض الفائدة.
رئيس جديد.. ومعركة قديمة
يخلف وارش رئيسا حاول إبقاء الفيدرالي خارج المعارك الحزبية، ثم وجد نفسه في قلبها. باول، الذي قاد استجابة غير مسبوقة خلال كوفيد، تحمّل لاحقا جزءا من مسؤولية الرهان على أن التضخم سيكون "مؤقتا"، قبل أن يقود دورة رفع فائدة حادّة نجحت في خفض الأسعار من دون الركود الذي خشيه كثيرون.
لكن الفصل الأبرز في إرثه قد لا يكون نقديا فحسب. فقد واجه باول حملة ضغط من ترامب، واعتبر تحقيق وزارة العدل في مشروع تجديد مقرّ الفيدرالي ذريعة للضغط على البنك المركزي من أجل خفض الفائدة. لذلك قرر البقاء عضوا في مجلس المحافظين إلى أن يتأكد من انتهاء الهجمات القانونية.
ترامب يريد الخفض.. والسوق لا تصدّق
قد يكون وارش أقرب سياسيا إلى ترامب، لكنه لا يملك قرار الفائدة وحده. فرئيس الفيدرالي ليس سوى صوت واحد داخل اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، حتى لو كان يتحكم في جدول أعمال الاجتماعات.
وهنا تكمن عقدته الأولى. المستثمرون لا يتوقعون خفضا سريعا للفائدة، بل يرجحون إبقاء السعر القياسي من دون تغيير لبقية العام، أو حتى رفعه إذا تفاقم التضخم. وهذا مسار قد يصطدم مباشرة برغبة ترامب، الذي مازح سابقا بأنه سيقاضي وارش إذا لم يخفض الفائدة.
"كريبتو" تترقب رئيسا مختلفا
بعيدا من الفائدة، تراقب أسواق الأصول الرقمية وارش باهتمام. فالرئيس الجديد للفيدرالي وصف بعض مشاريع الكريبتو سابقا بأنها احتيالية وعديمة القيمة، لكنه كشف عن استثمارات في Polymarket وSolana، وقال إنّ بتكوين "لا يثير قلقي". كما أكّد أنّ الأصول الرقمية أصبحت جزءا من نسيج الخدمات المالية الأميركية.
ومع ذلك، لم يتحرّك سعر بتكوين كثيرا بعد تثبيته، وبقي قرب 79500 دولار، في إشارة إلى أنّ السوق تنتظر الأفعال لا التصريحات.
اختبار وارش يبدأ الآن
يرث وارش فيدراليا يحاول تقليص ميزانيته الضخمة، وإعادة ضبط تواصله، وحماية استقلاله في وقت واحد. مهمته الأولى لن تكون فقط إقناع الأسواق، بل إثبات أنّه ليس امتدادا لرغبات البيت الأبيض. فترامب يريد فائدة أقلّ، والتضخم يقول العكس، وباول لن يغادر الطاولة بعد.





