بينما تراهن تونس على موسم صيفي قوي لتعزيز إيراداتها السياحية، فرضت موجات الحر القياسية تحديا غير متوقع، بعدما وضعت شبكتي الكهرباء والمياه تحت ضغط متزايد، ما انعكس على الخدمات في عدد من المناطق السياحية.

ومع تكرار الانقطاعات وازدياد شكاوى الزوار، يجد أحد أهم القطاعات الاقتصادية في البلاد نفسه أمام اختبار حقيقي للحفاظ على جاذبية الوجهة السياحية خلال ذروة الموسم.

تحولت الانقطاعات في مناطق سياحية شمال البلاد إلى عبء مباشر على العاملين في القطاع. وسجلت منشآت سياحية إلغاء حجوزات وتقليص إقامات وشكاوى من الزوار، بحسب صحيفة لوموند الفرنسية.

تأتي الأزمة في وقت تعد فيه السياحة من أهم مصادر الدخل والتشغيل في تونس. وبحسب وزارة السياحة، كما نقلت لوموند، يساهم القطاع بنسبة 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي ويوفر نحو 400 ألف وظيفة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

فنادق تكافح للحفاظ على راحة الزوار

في سونين، شمال تونس، أصبح أصحاب دور الضيافة يراقبون مواعيد انقطاع الكهرباء ويستعدون مسبقا لتشغيل المولدات وإبلاغ النزلاء، بحسب لوموند. تعد المنطقة الساحلية من الوجهات الصيفية المحببة، خصوصا لدى السياح التونسيين.

لكن موجة الحر التي ضربت البلاد في يوليو رفعت استهلاك الكهرباء، بعدما لجأ السكان والمنشآت إلى تشغيل أجهزة التكييف بكامل طاقتها. وفي بعض مناطق بنزرت، استمرت الانقطاعات لأكثر من 24 ساعة.

وتقول نادية، وهي شريكة في إدارة دار ضيافة في سونين، للوموند: "الناس يأتون إلى هنا للراحة والهدوء، لكن أصبح من الصعب جدا أن نوفر لهم هذه الطمأنينة".

وتتجاوز الخسائر فقدان التكييف، إذ تتوقف المطابخ وتتأخر الوجبات وتتعرض المواد الغذائية للتلف. كما أن المولدات الاحتياطية الموجودة في بعض الفنادق لا تكون قادرة دائما على تشغيل أنظمة التكييف بكامل طاقتها، بحسب موقع تونس الرقمية.

بدورها أوضحت مريم بوجبل، مالكة عدد من المنشآت الفندقية، في رسالة نشرتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أن القطاع لا يطلب "المستحيل"، بل يريد إمدادا مستقرا بالكهرباء يتناسب مع أهمية السياحة، التي تمثل واجهة تونس أمام الخارج وتوفر مصادر رزق لآلاف العائلات.

انقطاع المياه يضاعف أزمة القطاع

ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند الكهرباء، إذ تؤثر الانقطاعات أيضا على إمدادات المياه، فيما تواجه مناطق أخرى انقطاعات مائية متكررة. وتوضح لوموند أن بعض سكان رأس الجبل لجأوا إلى تركيب خزانات خاصة لمياه الشرب.

ويخزن سكان آخرون المياه يوميا تحسبا للانقطاع. وفي المناطق السياحية، تصبح المشكلة أكثر حساسية، لأن الفنادق والمطاعم تحتاج إلى إمدادات منتظمة للمياه من أجل النظافة والاستحمام والمطابخ والخدمات اليومية.

وتشير مجلة نواة إلى أن أزمة المياه والكهرباء لم تعد مجرد إزعاج مؤقت، بل أصبحت جزءا من الحياة اليومية لعدد متزايد من التونسيين. ومعها يتزايد الاعتماد على خزانات المياه والمولدات الخاصة.

فيما ترى المجلة أن هذا الاتجاه ينقل جزءا من مسؤولية توفير الخدمات الأساسية من الدولة إلى الأفراد والقطاع الخاص. وهو ما قد يعمق التفاوت، لأن المنشآت الصغيرة لا تملك دائما القدرة المالية على شراء المعدات اللازمة.

وفي غار الملح، أدت الانقطاعات الطويلة، بحسب لوموند، إلى شلل مؤقت في عدد من المطاعم المطلة على البحر. فلم تعد المشكلة مرتبطة بالتكييف والإضاءة فقط، بل وصلت إلى المطابخ وحفظ المواد الغذائية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

كما توقفت مصانع الثلج عن العمل، ما أثر في الصيادين والمطاعم التي تعتمد على الأسماك الطازجة. ونقلت لوموند عن بائع أسماك يدعى مراد قوله: "خسرنا آلاف الدنانير، كل شيء كان متوقفا".

وتضررت أيضا آلات إنتاج الثلج، فيما اضطر بعض أصحاب المقاهي إلى تشغيل مولدات تعمل بالبنزين رغم الضوضاء التي تسببت في شكاوى الزبائن. ويقول عامل في أحد مصانع الثلج إن بعض المعدات تضررت بسبب الانقطاعات المتكررة.

أزمة بنيوية تهدد صورة الوجهة التونسية

تأتي هذه التطورات في وقت تستعيد فيه السياحة التونسية زخمها. وبحسب وكالة أنباء أفريقيا، استقبلت تونس أكثر من 11 مليون زائر في 2025، فيما تجاوزت عائدات السياحة 8 مليارات دينار تونسي.

لكن استمرار مشاكل الكهرباء والمياه خلال موسم الذروة يمكن أن يؤثر في صورة تونس كوجهة سياحية. فالمشكلة لا تتعلق فقط بالخسائر المالية، بل بقدرة المنشآت على توفير الخدمات التي يدفع الزائر مقابلها.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

وتشير تونس الرقمية إلى أن انقطاعات الكهرباء المتناوبة استمرت منذ 7 يوليو، بعدما اقترب الطلب من 5 آلاف ميغاواط، مقابل قدرة إنتاج وطنية تقارب 4630 ميغاواط. وبلغت درجات الحرارة في بعض المناطق 49 درجة مئوية.

وفي مواجهة الانتقادات، قال الرئيس المدير العام للشركة التونسية للكهرباء والغاز، فيصل طريفة، إن إجراءات القطع تمثل خط الدفاع الأخير لتجنب انهيار كامل للشبكة. وأوضح أن الانقطاعات المبرمجة لا تتجاوز عادة ساعة واحدة، بينما تعود الانقطاعات الأطول إلى أعطال في المعدات بسبب الحرارة.

وتقترح تونس الرقمية إعطاء المناطق والمنشآت السياحية أولوية واضحة في برامج القطع، مع توفير جداول زمنية يمكن التنبؤ بها. كما تدعو إلى تحسين المولدات الاحتياطية، والاعتماد بصورة أكبر على الطاقة الشمسية، وتحسين العزل الحراري وكفاءة أجهزة التكييف.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

لكن نواة تربط الأزمة بمشكلات أعمق تتعلق بسنوات من ضعف الاستثمار والمشكلات المالية والفنية في الشركة التونسية للكهرباء والغاز. وتذكر أن ديون الشركة بلغت 7.36 مليار دينار حتى يونيو 2026، بينما وصلت الفواتير غير المسددة إلى 6.06 مليار دينار.

ومع دخول تونس موجة حر جديدة في بداية أغسطس، تواجه السياحة اختبارا إضافيا. فبالنسبة إلى الفنادق والمطاعم، لم تعد الكهرباء والمياه مجرد خدمات مساندة، بل أصبحتا جزءا أساسيا من قدرة الوجهة التونسية على الحفاظ على جاذبيتها وسمعتها خلال موسم يعتمد عليه الاقتصاد المحلي.