الجولاني والعراق.. خصومة الجوار
منذ بداية الأحداث الأخيرة في سوريا مع سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر المنصرم، بدا العراق متخوفا من انعكاساتها على البلاد، خصوصا أن العراق كان طرفا في الحرب السورية بدعمه النظام السابق.
تربط أبومحمد الجولاني بالنظام العراقي عداوة ممتدة لعشرين سنة منذ أيام قتاله في صفوف تنظيم القاعدة، ثم
داعش ثم إرساله من قبل "أبو بكر البغدادي"- العدو الأول للحكومة العراقية- كزعيم لجبهة النصرة المصنفة إرهابيا في العراق.
هذا الحذر ترجمته مواقف للحكومة العراقية عندما سيطرت هيئة تحرير الشام التي يترأسها الجولاني على حلب، فخرج عندها رئيس الوزراء قائلا لن نقف موقف المتفرج من سوريا، فضلا عن تصريحات أطلقت من بعض المسؤولين العراقيين، مثل قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي، عندما كتب في حسابه على منصة إكس "لن تسبى زينب مرتين".
وعقب تقدم هيئة تحرير الشام، خرج الجولاني برسالة إلى رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، ودعاه إلى النأي بالنفس، وعدم التدخل في الصراع، داعيا إلى عدم السماح لقوات من الحشد الشعبي بالتدخل في سوريا، مؤكدا أن "المواجهات الجارية في الشمال السوري لن تمتد إلى الأراضي العراقية".
وقاتل الجولاني الفصائل العراقية طوال الحرب السورية، حيث قاتلت عدة فصائل إلى جانب نظام الأسد، من بينها لواء أبو الفضل العباس، والعصائب والنجباء.
جانب آخر يُظهر أسباب مخاوف العراق، يتمثل بالعراقيين الموجودين في محافظة إدلب السورية، حيث ينتشر هناك المئات من الذين نزحوا من مناطق سيطرة تنظيم داعش في العراق إلى سوريا، عندما استعادت القوات الحكومية العراقية تلك المدن.
كما تتواجد في إدلب مجاميع تقاتل مع هيئة تحرير الشام، يتكون معظمهم من مقاتلين ينتمون لجماعات متطرفة مصنفة على قوائم الإرهاب في العراق، مثل جيش المجاهدين، بالإضافة إلى جماعة أنصار الإسلام القريبة من القاعدة التي تنتشر في قرى جبل الزاوية.
يقول مصدر مقرب من هيئة تحرير الشام، إن هناك عراقيين كثر ضمن قادة الصف الأول والثاني للهيئة، وليس العراقي ميسر الجبوري، المعروف بأبو ماريا القحطاني الذي قُتل في بداية أبريل 2024 باستخدام حزام ناسف، نُفِّذ على يدي عنصر ينتمي لتنظيم داعش سوى أحدهم، لكنهم ممنوعون من الظهور إلى العلن.
وكان "القحطاني" يعتبر الرجل الثاني في هيئة تحرير الشام، والمعروف بعدائه الشديد لتنظيم داعش، كما سبق أن قاتل ضمن صفوف القاعدة في العراق.
ويضيف المصدر، أن "التيار الجهادي" في الهيئة الذي يمثل النواة الصلبة للجناح العسكري، يتكون من قادة وعناصر لا تؤمن بالمحددات التي يضعها الجولاني، وترى أن القتال في العراق مشروع كما الحال في سوريا، وهذا ما قد يمهد مستقبلا ربما لولادة جماعات مسلحة عراقية مناوئة لحكومة بغداد قرب الحدود بين البلدين.
لعل السبب الأهم لتخوف العراق من سقوط الأسد وحكم الجولاني لسوريا، وجود
تنظيم داعش في البادية السورية حيث تتواجد هناك خلايا للتنظيم متصلة بأخرى في صحراء العراق، ما قد يمثل تحديا أمنيا لبغداد.
وضمن هذه الخانة يمكن وضع زيارة وفد عراقي برئاسة حميد الشطري، مدير المخابرات، للعاصمة السورية دمشق ولقائه بالجولاني، في لقاء وصف بأنه الأكثر إحراجا حتى الآن.
ونقلت وكالة الأنباء العراقية عن مسؤول قوله إن المباحثات التي أجراها وفد بغداد مع الإدارة السورية الجديدة في دمشق، كانت "أمنية" وركزت على الملفات المرتبطة بالأمن.
وأضاف المسؤول الذي لم تسمه أن "الوفد العراقي ناقش مع الإدارة السورية الجديدة حماية الحدود، والتعاون بشأن منع عودة نشاط عصابات داعش الإرهابية، وكذلك حماية السجون التي تضم عصابات داعش داخل الأراضي السورية (لم يسمها)"، بحسب "واع".
وأشار إلى أن "العراق بلد مؤثر في المنطقة، ولا بد من التعامل مع الملفات الراهنة بمنطق الدولة". وقال إن "الإدارة السورية الجديدة أبدت دعمها لمطالب العراق ومخاوفه فيما يتعلق بالملفات التي جرى النقاش حولها".
ثمة نحو 10 آلاف مقاتل من التنظيم في سجون قوات سوريا الديمقراطية (قسد) شرقي البلاد، ويمثل هؤلاء تحديا كبيرا للبلدين على حد سواء، فالعراق يخشى الانفلات الأمني الذي سيتيح خروج المعتقلين ثم استعادة داعش لشيء من قوته التنظيمية التي فقدها خلال السنوات الماضية.
وينسحب القلق العراقي حتى على الولايات المتحدة، حيث ذكرت تقارير استخباراتية نشرتها صحيفة بوليتيكو أن المسؤولين الأميركيين يراقبون باهتمام الوضع في شمال شرق سوريا، حيث يعتقدون أن الهجوم التركي المحتمل على مناطق قسد قد يؤدي إلى تدهور الوضع الأمني، مما يسهل فرار عناصر داعش من السجون رغم التطمينات والعرض التركي باستعداد أنقرة لإدارة ملف سجون ومعتقلات عناصر داعش في سوريا.