خطة النصف تريليون.. الإنفاق العسكري يهدد خزائن واشنطن
تواجه إدارة دونالد ترامب تحديات معقدة في بلورة خطة واضحة لزيادة الإنفاق العسكري الأميركي بنحو 500 مليار دولار ضمن مشروع الموازنة المرتقب، وهو ما أدى إلى إبطاء إعداد الخطة المالية الشاملة للبيت الأبيض، بحسب أربعة مصادر مطلعة على النقاشات الداخلية بحسب
صحيفة واشنطن بوست.
وكان ترامب قد وافق الشهر الماضي على زيادة تمويلية تقارب 50 في المئة في ميزانية الدفاع، استجابةً لمقترح وزير الدفاع بيت هيغسيث ضمن مشروع الموازنة السنوية.
غير أن هذه الزيادة الضخمة أثارت اعتراضات داخلية من عدد من المسؤولين، من بينهم رئيس مكتب الموازنة في البيت الأبيض راسل فوت، الذي حذر من انعكاساتها المحتملة على اتساع العجز الفدرالي، وفقاً للمصادر التي تحدثت بشرط عدم الكشف عن هويتها نظراً لحساسية المداولات.
ومنذ اعتماد الرقم الجديد، يواجه مساعدو البيت الأبيض ومسؤولو وزارة الدفاع صعوبات عملية في تحديد أوجه إنفاق هذا التمويل الإضافي بسبب حجمه الاستثنائي.
وبحسب المصادر، تأخر البيت الأبيض أكثر من أسبوعين عن الموعد القانوني المحدد لإرسال مشروع الموازنة إلى الكونغرس، ويرتبط جزء من هذا التأخير بعدم التوصل إلى تصور تفصيلي حول كيفية توزيع مبلغ الـ500 مليار دولار.
وأفاد أحد المطلعين بأن كبار مسؤولي البنتاغون لجأوا إلى استشارة مسؤولين دفاعيين سابقين في محاولة لمعالجة التحديات المرتبطة بتوجيه هذا التمويل.
وتركز النقاشات على المفاضلة بين توسيع مشتريات الأسلحة التقليدية المستخدمة حالياً وبين توجيه استثمارات أكبر نحو التقنيات المتقدمة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، الذي يُنظر إليه بوصفه عنصراً أساسياً في بناء القدرات العسكرية المستقبلية.
وكانت ميزانية الدفاع الأميركية التي أُقرت العام الماضي، والبالغة نحو 900 مليار دولار، الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة.
ورغم ارتفاع الإنفاق العسكري عالمياً، فإن الولايات المتحدة لا تزال تنفق على الدفاع أكثر من مجموع إنفاق الدول التسع التالية لها مجتمعة، وفق بيانات عام 2023 الصادرة عن مؤسسة بيتر جي. بيترسون.
وقال جي. ويليام هوغلاند من مركز السياسات الحزبية الثنائية إن صعوبة تحديد أوجه إنفاق هذا المبلغ الهائل ليست أمراً مفاجئاً، مشيراً إلى أن ضخ هذا الحجم من التمويل خلال عام واحد يمثل تحدياً كبيراً في التخطيط المالي الحكومي.
وأكد متحدث باسم هيغسيث أن البنتاغون ملتزم باستخدام ميزانية دفاعية بقيمة 1.5 تريليون دولار بما يخدم القوات المسلحة الأميركية ويعزز الأمن القومي، مشدداً على أن عملية إعداد الموازنة تتم وفق نهج مدروس يهدف إلى الاستخدام المسؤول لأموال دافعي الضرائب ومواجهة تهديدات القرن الحادي والعشرين.
من جهته، دافع رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ روجر ويكر عن مسار إعداد الموازنة، معتبراً أن الزيادة المقترحة في الإنفاق الدفاعي "ضرورية للغاية"، ومتهماً مسؤولين لم يسمهم بتسريب معلومات مغلوطة بهدف تقويض عملية إعداد ميزانية دفاعية كبرى تهدف إلى إعادة بناء الجيش الأميركي وتحديثه.
ويرى ترامب ووزير دفاعه وعدد من الجمهوريين في الكونغرس أن زيادة الإنفاق العسكري ضرورية لتمويل أولويات استراتيجية جديدة ولمواجهة خصوم الولايات المتحدة على الساحة الدولية.
ومن المقرر أن تحدد موازنة السنة المالية 2027 مستويات الإنفاق المقترحة لمختلف مؤسسات الحكومة الفدرالية، إلا أن دخولها حيز التنفيذ يتطلب موافقة الكونغرس، ما يجعل مسار إقرارها غير محسوم.
تحديات مكلفة.. خزائن الذخيرة فارغة
ويواجه البنتاغون تحديات مكلفة، من بينها إعادة تزويد مخزونه من الذخائر المتطورة التي استُخدمت بكثافة، مثل صواريخ توماهوك الاعتراضية ومنظومات الدفاع الجوي وصواريخ SM-6 البحرية.
كما يسعى إلى تحديث برنامج الأسلحة النووية الذي تعود جذوره إلى الحرب الباردة من خلال تطوير أنظمة حديثة تشمل القاذفة الاستراتيجية B-21 والغواصات النووية من فئة كولومبيا، التي يُقدّر ثمن الواحدة منها بمليارات الدولارات.
وكان هيغسيث قد وجّه، عند توليه منصبه، فروع القوات المسلحة إلى البحث عن تخفيضات في الميزانية بنسبة 8 في المئة بهدف إعادة توجيه التمويل نحو أولويات جديدة تتماشى مع توجهات الإدارة.
وقد شدد على أن هذه الخطوة تمثل إعادة ترتيب للإنفاق الدفاعي وليس تقليصاً له، في إشارة إلى إعادة توجيه نحو 50 مليار دولار من برامج سابقة.
وفي الآونة الأخيرة، دعا وزير الدفاع إلى تعزيز القاعدة الصناعية العسكرية الأميركية وتسريع وتيرة تطوير ونشر الأنظمة القتالية الجديدة، مع تقليل الاعتماد على المتعاقدين التقليديين في قطاع الدفاع.
تعزيز القدرات VS مواجهة التحديات المالية
وبلغ العجز الفدرالي الأميركي العام الماضي 1.8 تريليون دولار، ما يعزز المخاوف من التداعيات المالية طويلة الأمد لأي توسع كبير في الإنفاق العسكري، خصوصاً في ظل عدم وضوح ما إذا كانت الزيادة البالغة 500 مليار دولار ستُخصص لعام واحد فقط أم ستتكرر سنوياً على مدى عقد كامل.
ويرى خبراء في شؤون الميزانية أن أي زيادة بنسبة 50 في المئة في الإنفاق الدفاعي تستدعي إعادة صياغة شاملة للأولويات المالية للحكومة الفدرالية.
كما حذر بعض المتخصصين في سياسات الأمن القومي من أن التوسع السريع في التمويل العسكري قد يزيد مخاطر الهدر وسوء الاستخدام، لا سيما في ظل الانتقادات السابقة المتعلقة بضعف آليات الرقابة على إنفاق البنتاغون.
وتبقى مسألة كيفية توجيه هذا التمويل الضخم محور نقاش داخلي مكثف داخل الإدارة الأميركية، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى تحقيق توازن بين تعزيز القدرات العسكرية ومواجهة التحديات المالية المتزايدة.