تقف إيران على ما يشبه "حافة الهاوية" في مواجهة حشد الولايات المتحدة لسفنها الحربية وطائراتها المقاتلة قبالة سواحلها من جهة، ومن جهة أخرى مطالب واشنطن في المفاوضات بشأن برنامجها النووي وأسلحتها، وهو موقف أثار حيرة المسؤولين الأميركيين.
ويرى القادة في إيران أن الاستسلام لمطالب واشنطن بشأن تخصيب اليورانيوم والصواريخ الباليستية يمثل خطراً على بقائها أكبر من احتمال الحرب، بحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز.
الصراع شبه محتوم
ويشير خبراء، تحدثت إليهم الصحيفة، إلى أن التفاوت الخطير في تقدير الموقف بين إيران والولايات المتحدة هو السبب في هشاشة جهود التفاوض حول القدرات النووية والعسكرية الإيرانية، وأن صراعاً إقليمياً جديداً يبدو شبه محتوم.
وقال ساسان كريمي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران، والذي شغل منصب نائب الرئيس لشؤون الاستراتيجية في الحكومة الإيرانية السابقة: "تجنب الحرب أولوية عالية، لكن ليس بأي ثمن".
ويواجه مفاوضو الطرفين مأزقاً بشأن الخطوط الحمراء لكلا الجانبين، فمن جهة تصر إدارة ترامب على موقفها بشأن وقف إيران الكامل لتخصيب اليورانيوم لضمان عدم قدرتها على تطوير سلاح نووي، إضافة إلى إصرار، ولو بأقل حماسة على الحد من مدى صواريخ إيران الباليستية وإنهاء دعمها للفصائل الموالية في المنطقة.
اللقاء الأخير
بالنسبة لإيران، التي تقول إن برنامجها النووي لأغراض سلمية فقط، يُعد التخصيب حقاً أساسياً يدعمه المرشد الأعلى علي خامنئي ولا يمكن لمسؤولي الدولة التخلي عنه، وترى إيران أن امتلاك صواريخ تصل إلى إسرائيل أمر حيوي للدفاع عن النفس.
ومن المقرر أن يلتقي المسؤولون الأميركيون والإيرانيون في جنيف الخميس المقبل لإجراء محادثات تُعد محاولة أخيرة للتوصل إلى حل وسط قبل أن يأمر ترامب بشن ضربة.
ووفقاً لمطلعين على المداولات الداخلية للإدارة الأميركية، ستناقش الأطراف اقتراحاً يسمح بإمكانية تفادي الحرب: السماح لإيران ببرنامج محدود لتخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية.
إيران متخوفة من "طمع واشنطن"
ويصف المفاوض الأمريكي الرئيسي مع إيران، ستيف ويتكوف، ترامب بأنه "متفاجئ من عدم استسلامهم"، في مقابلة مع قناة فوكس نيوز نهاية الأسبوع الماضي.
وقال نائب الرئيس، جي دي فانس، الأسبوع الماضي، إن الإيرانيين "ليسوا مستعدين بعد للاعتراف بالطلبات الأميركية والعمل على تنفيذها"، على الرغم من التهديد بالحرب.
وقال علي واعظ، مدير شؤون إيران في مجموعة الأزمات الدولية: "بالنسبة لإيران، الخضوع لشروط الولايات المتحدة أخطر من التعرض لضربة أميركية أخرى. فهم لا يعتقدون أنه بمجرد استسلامهم، ستخفف الولايات المتحدة الضغط، بل يعتقدون أن هذا سيشجع واشنطن على استهداف نقاط ضعفهم الحيوية".
وأوضح داني سيتروانوفيتش، خبير في المجلس الأطلسي وكان يرأس سابقاً فرع الاستخبارات الدفاعية الإسرائيلية المعني بإيران، أن خامنئي يرى تخصيب اليورانيوم "ركيزة أساسية للنظام نفسه"، وأي تنازل في هذا المجال "سيقوض وجود النظام ذاته"، وأضاف: "أعتقد أنه لا خيار لديهم سوى المخاطرة على الجانب العسكري".
سؤالان قبل الحرب
ويطرح المحللون سؤالين رئيسيين في مواجهة أي تصعيد محتمل: هل ستسعى الولايات المتحدة لتغيير النظام الإيراني، وهل ستتمكن طهران من الرد بما يجعل الصراع مؤلماً للرئيس الأميركي أيضاً؟
ويرجح فارزين ناديمي، محلل دفاعي مختص بإيران في معهد واشنطن للسياسة الشرق أوسطية، أن إيران ستسعى لمواجهة ضربات محدودة وتقتصر ردودها على قواعد أميركية في المنطقة، كما فعلت في يونيو الماضي.
وإذا اختار ترامب التصعيد، ستضطر القوات الأميركية، بمساعدة إسرائيل على الأرجح، لمحاولة تدمير قدرات إيران العسكرية في الأيام الأولى لتقليل شدة أي رد انتقامي أوسع.
إيران تستنسخ التجربة الحوثية؟
وقد تحاول إيران تقليد نجاح جماعة الحوثي في اليمن، الحليف الإقليمي لها، الذي أوقف حملة أميركية في 2025 كانت تهدف لمنع هجماته على السفن الدولية في البحر الأحمر. وكلفت المواجهة، التي استمرت 31 يوماً، واشنطن أكثر من مليار دولار، وانتهت بتوصل ترامب إلى اتفاق بدلاً من الدخول في صراع طويل.
ويُحتمل أن تسعى إيران إلى مواجهة مطولة ومميتة لإلحاق الضرر بترامب قبيل انتخابات التجديد النصفي، بحسب محللين.
وقال محمد علي شباني، محلل إيران ورئيس تحرير موقع أمواج ميديا الإقليمي، إن احتمالية استهداف ناقلات نفط في مضيق هرمز أو استخدام الحوثيين لضرب السفن في البحر الأحمر قد ترفع أسعار البنزين دولاراً أو اثنين للغالون، مما يشكل ضغطاً سياسياً على ترامب قبل الانتخابات.
إيران تعلمت من حرب الـ12 يوما
رغم قدرة القوات الأميركية والإسرائيلية على توجيه ضربات سريعة ومدمرة، كما حدث في يونيو الماضي حين قُتل عدد من كبار المسؤولين العسكريين الإيرانيين وضُربت منشآتهم النووية والعسكرية، تشير مصادر إيرانية وإقليمية إلى أن طهران تعلمت من تلك الحرب وأعدت قيادات بديلة لضمان استمرار النظام، حتى لو قُتل خامنئي أو قادة آخرون.
ويقول مسؤولون إقليميون إن هدف ترامب من أي ضربة محتملة سيكون إرغام القيادة الإيرانية على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروطه، لكن العديد من الخبراء يشيرون إلى أن إيران رفضت الاستسلام بعد الحرب السابقة، وإذا نجت من مواجهة جديدة، سترفض مجدداً.
وقال علي واعظ: "الاعتقاد بأن كل حرب تجعل إيران أكثر مرونة أو تسهّل الدبلوماسية ليس إلا وهمًا".





