اختيار ابن المرشد الراحل، مجتبى خامنئي، زعيما أعلى فرضه الحرس الثوري الإيراني، كما أفادت مصادر إيرانية رفيعة، باعتباره نسخة أكثر مرونة من والده علي خامنئي ما يدعم سياسات هذه القوة المحافظة، متجاهلا بذلك مخاوف دعاة التوجه النفعي.

وقالت المصادر إن الحرس الثوري، الذي زاد نفوذه منذ بدء الحرب، تغلب سريعا على شكوك كبار الشخصيات السياسية والدينية، التي أخرت معارضتها لهذا الإعلان عن تعيينه ساعات.

ومما زاد من مخاوف معارضي تنصيب خامنئي ثانٍ زعيما أعلى، أنه لم يصدر أي بيان حتى مساء أمس الثلاثاء، بعد مرور ما يقرب من 48 ساعة على اختياره خلال حرب أودت بحياة أكثر من ألف إيراني، فيما نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مسؤولين إيرانيين وإسرائيليين أن مجتبى أُصيب في ساقيه في بداية الحرب، لكن لم تتضح بعد ملابسات الإصابة أو مدى خطورتها.

وقال مسؤول إسرائيلي كبير لوكالة رويترز إن تقييما للاستخبارات الإسرائيلية يشير إلى أن مجتبى أصيب بجروح طفيفة جراء الحرب الجوية الإسرائيلية الأميركية ضد بلاده وإن هذا هو السبب وراء عدم ظهوره علنا حتى الآن.

نجل الرئيس الإيراني يوسف بيزشكيان، وهو مستشار للحكومة، أكد بدوره في منشور على قناته في "تلغرام" قائلا: "سمعت الأنباء التي تفيد بأن السيد مجتبى خامنئي أُصيب. سألت بعض الأصدقاء الذين لديهم شبكة واسعة من العلاقات. قالوا إنه، والحمدلله، بخير"، وفق وكالة فرانس برس.

أكثر عدوانية وتشددا؟

وقال ٣ مصادر إيرانية رفيعة المستوى، أحدها مسؤول إصلاحي سابق وآخر من المطلعين على الشؤون الداخلية، إن اختيار مجتبى خامنئي، الذي دبره الحرس الثوري، قد يؤدي إلى موقف أكثر عدوانية في الخارج وقمع داخلي أشد.

وقال إثنان من المصادر الثلاثة إنهما يخشيان أن تؤدي هيمنة الحرس الثوري على النظام إلى تحويل البلاد إلى دولة عسكرية ذات شرعية دينية سطحية فحسب، مما يقوض قاعدة الدعم المتقلصة بالفعل ويقلل من المجال المتاح لمعالجة التهديدات المعقدة.

الزعيم الجديد مصاب

وعلى الرغم من أن مجتبى خامنئي كان مؤثرا في الكواليس لعقود قضاها في إدارة مكتب والده، فإنه لا يزال شخصية غامضة بالنسبة لكثير من الإيرانيين.

وأكد مذيع في التلفزيون الحكومي على ما يبدو الأخبار المنتشرة عن إصابة مجتبى، واصفا إياه "بجانباز" أو "المحارب القديم الجريح" في حرب رمضان، مثلما تسمي إيران الصراع الحالي.

وقال المسؤولون الإيرانيون الثلاثة إن شخصيات رفيعة المستوى في الحكومة أبلغتهم خلال اليومين الماضيين أن خامنئي أصيب بجروح، من بينها إصابات في ساقيه، لكنه واعٍ ويلجأ إلى مكان شديد الحراسة مع اتصالات محدودة.

صحيفة "نيويورك تايمز" نقلت عن مسؤولين عسكريين إسرائيليين قولهما إن المعلومات التي جمعتها إسرائيل دفعت المؤسسة الدفاعية إلى الاعتقاد أيضا أن مجتبى أصيب بجروح في ساقه، وهو استنتاج توصلوا إليه حتى قبل اختياره مرشداً أعلى جديداً يوم الأحد. وتحدث المسؤولان الإسرائيليان شريطة عدم الكشف عن هويتيهما.

وقد يفسر ذلك، بالإضافة إلى المخاوف الأمنية بعد قتل والده علي خامنئي، كما قتلت والدة مجتبى وزوجته وابنه، وعدد من كبار المسؤولين في وضح نهار 28 فبراير، صمته منذ أن أعلن مجلس الخبراء المكون من 88 عضوا في وقت متأخر من يوم الأحد أنها انتخبته زعيما أعلى للبلاد.

ويتمتع الحرس الثوري ومكتب الزعيم الأعلى، المعروف باسم "البيت"، بالسلطة الأكثر وضوحا، إذ يديران نظاما موازيا للنفوذ عبر البيروقراطية.

غضب من اعتذار بيزشكيان

تبددت أي شكوك عمن هو المسؤول الحقيقي يوم السبت عندما اضطر الرئيس مسعود بيزشكيان، أحد أعضاء الثلاثي المكلف بالحكم خلال الفترة التي سبقت اختيار مجتبى، إلى التراجع بعد أن اعتذر لدول الخليج عن الهجمات. وأفادت مصادر لرويترز أن كبار الحرس الثوري غضبوا من اعتذاره.

وقال أحد المصادر الثلاثة، الذي ذكر أن الحرس الثوري يدير إيران الآن، إن الراحل علي خامنئي كان قادرا على كبح جماح الحرس، وموازنة آرائه مع آراء النخب السياسية والدينية في النظام.

وأضاف أنه حتى مع افتراض أن الزعيم الجديد في حالة جيدة بما يكفي لتولي زمام الأمور، فقد يصبح للحرس الآن الكلمة الفصل في القرارات المهمة في المستقبل.

وقال أليكس فاتانكا، الباحث الكبير في معهد الشرق الأوسط في واشنطن العاصمة "مجتبى مدين بمنصبه للحرس الثوري، وبالتالي لن يكون له السلطة العليا نفسها التي كان يتمتع بها والده".

رسالة صريحة من الحرس لدعم خامنئي

ينص الدستور على أن اختيار الزعيم الأعلى من اختصاص مجلس الخبراء، لكن في كلتا الانتخابات اللتين جرتا لاختيار زعيم جديد عام 1979، تأثر المجلس بنصائح قوى أخرى مؤثرة.

فعندما توفي المرشد روح الله الخميني في عام 1989، كان "صانع الملوك" هو السياسي المؤثر علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي أخبر الجمعية أن الخميني قد همس له باسم خامنئي على فراش الموت.

أما هذه المرة، فأفادت المصادر الخمسة بأن صاحب القرار المؤثر هو الحرس الثوري، وأنه كان أكثر صراحة في رسائله. واستخدم الحرس الثوري حجة أن الحرب تتطلب عملية سريعة واختيار مرشح يتحدى الولايات المتحدة.

وقال محسن حيدري، أحد أعضاء مجلس الخبراء، في التلفزيون الحكومي، إنه بسبب قصف قاعة المجلس في مدينة قم الدينية، اضطر إلى الاجتماع في مكان آخر، لم يكشف عنه حتى الآن، ولم يتمكن بعض الأعضاء من الحضور أو حتى الإبلاغ عن التصويت.

وأضاف أن المجلس وصل إلى النصاب القانوني المكون من ثلثي الأعضاء، دون أن يحدد عدد الذين شاركوا فعليا، إذ أيد 85-90 بالمئة من الحاضرين خامنئي الابن.

ولم يتضح عدد الذين لم يحضروا والذين أيدوه أو عارضوه، لكن الأرقام أظهرت أن القرار لم يكن بالإجماع مثلما كان يأمل الحرس الثوري.

مخاوف من موقف أكثر صرامة

وقال إثنان من المصادر إن مجموعة من أعضاء مجلس الخبراء لم تعجبهم فكرة الخلافة الوراثية الواضحة وخشوا أن يؤدي هذا الاختيار إلى تنفير حتى العديد من مؤيدي النظام الحاكم.

وقال أحد المصادر إن بعض رجال الدين وأعضاء المؤسسة السياسية كانوا يحاولون خلف الكواليس الضغط من أجل إيجاد بديل في عدد من المناقشات التي جرت خلال الأسبوع الماضي.

ومع ذلك، قال المسؤول الإصلاحي السابق إن الحرس الثوري هدد منتقدي تولي مجتبى للمنصب. وقال مصدر مطلع في إن الحرس الثوري اتصل بأعضاء مجلس الخبراء، مما أثار اعتراضات، لكنهم شعروا في النهاية بأنهم مضطرون لدعمه.

وكان من المقرر في الأصل الإعلان عن تعيين مجتبى صباح الأحد، لكن المصادر الخمسة قالت إن الإعلان لم يصدر إلا في وقت متأخر من المساء نتيجة للمعارضة المستمرة لاختياره.

وقال أحد المسؤولين إن مجتبى خامنئي، بصفته رئيس "البيت" لسنوات عديدة في عهد والده، أقام علاقات وثيقة للغاية مع الحرس الثوري، ولا سيما القادة من الدرجة الثانية الذين حلوا محل كبار الجنرالات الذين قتلوا في الحرب.

وقال المسؤول الإصلاحي السابق إن النتيجة ستكون سياسة خارجية وداخلية تسير نحو اتجاه أكثر تشددا، إذ سيحصل الحرس الثوري أخيرا على ما سعى إليه لسنوات: السيطرة الكاملة.