بعد أسبوعين فقط من اندلاع الحرب على إيران، تحولت المواجهة إلى صراع غير متكافئ يجمع بين القوة العسكرية التقليدية الهائلة لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وبين استراتيجية إيرانية تعتمد أسلوب "حرب العصابات" الاقتصادية عبر تعطيل شحنات النفط وتهديد استقرار الاقتصاد العالمي.

فمنذ الأيام الأولى للحرب، تمكنت القوات الأميركية والإسرائيلية من فرض سيطرة شبه كاملة على الأجواء الإيرانية، ونفذت آلاف الغارات الجوية التي استهدفت القيادة العسكرية والبنية التحتية الدفاعية للبلاد، ما أدى إلى تدمير جزء كبير من الأسطول البحري الإيراني وتقليص قدرته على إطلاق الصواريخ بعيدة المدى.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

حرب استنزاف اقتصادي؟

لكن دروس القرن الماضي أظهرت أن حتى أقوى الجيوش وأكثرها تطوراً قد تجد نفسها في مواجهة مستعدين لتحمل كلفة باهظة رغم الفارق الكبير في القدرات العسكرية.

وفي هذا السياق، ركزت طهران استراتيجيتها على السيطرة الفعلية على مضيق هرمز، مستخدمة وسائل عسكرية أقل تطوراً بكثير من الترسانة التي نشرتها الولايات المتحدة في المنطقة. إلا أن هذه الوسائل البسيطة مكّنتها من تهديد إمدادات الطاقة العالمية وخنق حركة الملاحة التجارية عبر هذا الممر البحري الحيوي، بحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز.

ويبدو أن الهدف الإيراني يتمثل في جرّ واشنطن إلى حرب استنزاف اقتصادي، عبر إلحاق أضرار مباشرة باقتصادات الولايات المتحدة وحلفائها حول العالم.

ومنذ اندلاع القتال، استهدفت القوات الإيرانية ما لا يقل عن 16 سفينة تجارية، الأمر الذي دفع أسعار النفط إلى تجاوز 100 دولار للبرميل، وأثار مخاوف من اضطرابات طويلة الأمد في أسواق الطاقة العالمية، مع احتمال خروج جزء كبير من إمدادات النفط والغاز من السوق.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

حرب العصابات

وتعتمد إيران في عملياتها على ترسانة واسعة من الطائرات المسيّرة والصواريخ قصيرة المدى والألغام البحرية، إضافة إلى زوارق صغيرة وسريعة قادرة على مهاجمة السفن في الممرات الضيقة للمضيق. وقد دفعت هذه المخاطر العديد من شركات الشحن والبحارة إلى تجنب المرور عبر المضيق، خشية التعرض للهجمات أو تكبد خسائر مالية كبيرة.

ويبقى السؤال المطروح: هل تستطيع القوات الأميركية حماية التجارة الدولية وضمان استمرار تدفق الطاقة؟ كما أن قدرة الإدارة الأميركية على تخفيف آثار الأزمة الاقتصادية المحتملة قد تؤثر بشكل كبير في تقييم الرأي العام لأداء الرئيس دونالد ترامب في هذه الحرب.

وفي محاولة للضغط على طهران، أعلن ترامب الجمعة أن القوات الأميركية استهدفت مواقع عسكرية في جزيرة خرج، التي تعد أكبر محطة لتصدير النفط الإيراني، في خطوة تهدف إلى دفع إيران لإعادة فتح المضيق أمام الملاحة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

هل تجر إيران البحرية الأميركية إلى "صندوق القتل"؟

كما دعا الرئيس الأميركي الدول الأخرى إلى إرسال قطع بحرية للمشاركة في تأمين الممر الملاحي، مؤكداً أن البحرية الأميركية ستبدأ قريباً مرافقة ناقلات النفط عبر المضيق.

مع ذلك، تبقى واشنطن حذرة من إدخال سفنها الحربية إلى مضيق هرمز، الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه 21 ميلاً، حيث حذّر ضباط في البحرية الأميركية من أن الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية المضادة للسفن قد تحول المنطقة إلى ما يشبه "صندوق قتل" (Kill Box) للبحارة الأميركيين.

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الضربات الجوية الأميركية المكثفة على الساحل الإيراني المطل على المضيق كافية لتأمين حركة الملاحة. فالقوات الإيرانية تعتمد على صواريخ متنقلة مضادة للسفن لتنفيذ هجمات سريعة، إلى جانب أسطول من الزوارق الصغيرة التي تُعرف عسكرياً باسم "أسطول البعوض".

وفي الوقت نفسه، يعمل البنتاغون على إرسال المزيد من قوات مشاة البحرية الأميركية إلى المنطقة، وهي قوات قادرة على تنفيذ عمليات جوية وهجمات برمائية وعمليات خاصة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

معركة وجود

بالنسبة لإيران، التي عاشت عقوداً وهي تستعد لاحتمال مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة، تبدو المعركة الحالية صراعاً وجودياً. ورغم الضربات الأميركية والإسرائيلية المتواصلة، لا تظهر طهران أي مؤشرات على التراجع.

ويقول الأدميرال الأمريكي المتقاعد جيمس ستافريديس إن إعلان أحد الأطراف انتهاء الحرب لا يعني بالضرورة نهايتها فعلياً، مضيفاً: "قد يفقد الأميركيون اهتمامهم بالحرب، لكن هذا لا يعني أن الحرب فقدت اهتمامها بهم".

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

"أهم من سعد النفط"

في المقابل، أحدثت القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية تغييرات كبيرة في موازين القوى بالشرق الأوسط. فقد تراجع البرنامج النووي الإيراني، الذي تعرض بالفعل لضربات العام الماضي، إلى مراحل أبعد عن إنتاج سلاح نووي قابل للاستخدام، كما تضررت ترسانة الصواريخ الإيرانية بعيدة المدى بشكل كبير، ودُمرت أنظمة الدفاع الجوي إلى حد بعيد.

ويرى الخبير في شؤون الدفاع والسياسة الخارجية في معهد بروكينغز، مايكل أوهانلون، أن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يمثل هدفاً أكثر أهمية من الحفاظ على أسعار النفط عند مستوياتها السابقة.

لكنه يضيف أن الاعتقاد بأن الضربات الجوية وحدها قد تؤدي إلى انهيار النظام الإيراني كان "تفاؤلاً مفرطاً أو وهماً".

ومع استمرار الحرب، بدأت تظهر تداعيات غير متوقعة. ففي محاولة لتعويض اضطراب تدفقات الطاقة، دفعت إدارة ترامب نحو الإفراج عن احتياطيات النفط الاستراتيجية العالمية، كما سمحت بتخفيف العقوبات على النفط الروسي، وهي خطوة قد تساعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على تمويل حربه في أوكرانيا.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

"حرب الناقلات".. تعود من جديد

ويزيد الغموض بشأن أهداف الحرب من حالة القلق لدى الأسواق المالية وحلفاء واشنطن. ففي حين كانت الضربات السابقة ضد إيران وفنزويلا واضحة الأهداف، قدمت الإدارة الأميركية خلال الأسبوعين الماضيين تفسيرات متغيرة لأسباب الحرب الحالية ومعايير النجاح فيها.

وتشير الخبرة التاريخية إلى أن السيطرة على مضيق هرمز ليست مهمة سهلة. فخلال ثمانينيات القرن الماضي، تحولت المنطقة إلى ساحة معارك للناقلات النفطية خلال الحرب الإيرانية العراقية.

ويعتقد خبراء عسكريون أن تأمين الملاحة في المضيق قد يتطلب تعاوناً دولياً واسعاً، لأن الولايات المتحدة لا تمتلك بمفردها العدد الكافي من السفن المتخصصة في إزالة الألغام ومرافقة الناقلات.

ويقول الجنرال الأميركي المتقاعد مارك كيميت إن الدول الأوروبية تمتلك عدداً كبيراً من السفن المخصصة لمكافحة الألغام، لكن مشاركتها قد تتأثر بمدى دعمها السياسي للحرب.

ومع ذلك، قد تجد هذه الدول نفسها مضطرة للمساهمة في تأمين المضيق حمايةً لمصالحها الاقتصادية، حتى لو كان ذلك بشكل مستقل وليس ضمن تحالف تقوده الولايات المتحدة، كما حدث خلال "حرب الناقلات" في ثمانينيات القرن الماضي.