تغريدة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني بعد جولة في شوارع طهران، في أول ظهور علني له في حرب كان هدفاً معروفاً فيها: "شعب شجاع. مسؤولون شجعان. قادة شجعان. لا يمكن هزيمة هذا التحالف"، سبقت مقتله بأربعة أيام، بعد أن عثرت عليه أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية مجتمعاً مع مسؤولين آخرين في مخبأ على مشارف طهران، وقتلته بضربة صاروخية الثلاثاء.

في الليلة نفسها، تلقت إسرائيل معلومات من مواطنين إيرانيين عاديين تفيد بأن غلام رضا سليماني، قائد قوات الباسيج، كان يتحصن مع معاونيه في خيمة بمنطقة حرجية في طهران. كان هذا هو الجزاء الذي كانت إسرائيل تأمله بعد تفجير مقرات الباسيج ومراكز قيادتها لأكثر من أسبوعين، مما أجبر عناصرها على التجمع في العراء، وقد قُتل سليماني أيضاً.

واليوم الأربعاء، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، أن إسرائيل قتلت وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل الخطيب، مضيفا أن إسرائيل تجيز للجيش اغتيال أي مسؤول إيراني رفيع متى سنحت الفرصة.

صحيفة "وول ستريت جورنال" اعتبرت في تقرير أن اغتيال اثنين من كبار المسؤولين الإيرانيين يُمثل علامة فارقة في حملة شرسة لإسقاط حكومة طهران.

لكن بالرغم إشادة مسؤولين إسرائيليين بالغارات الجوية التي أسفرت عن مقتل لاريجاني، وسليماني، فإن محللين حذروا من أن عمليات استئصال رؤوس النظام، له حدود.

في تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" أثارت عمليتا الاغتيال تساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل تقتل هذا العدد الكبير من القادة الإيرانيين لأنها ترى ذلك أضمن وسيلة لتحقيق أهدافها العسكرية، أم لمجرد قدرتها على ذلك. وينطوي هذا النهج على مخاطر ارتداده عليها بطرق غير متوقعة. فهل تهيئ هذه العمليات الظروف للإيرانيين لإسقاط النظام الإيراني؟

تزايد المعلومات الاستخباراتية

منذ شن العمليات العسكرية الإسرائيلية الأميركية المشتركة على إيران في الـ 28 فبراير، قال القادة الإسرائيليون والأميركيون إن الحرب مع إيران ستُهيئ الظروف للإيرانيين لإسقاط نظامهم. وشكّلت عمليات القتل التي وقعت فجر الثلاثاء محطةً بارزةً في هذه الحملة، بفضل الأضرار المتراكمة بسرعة جراء الغارات الجوية، وتزايد المعلومات الاستخباراتية حول الأهداف المحتملة.

وبفضل تضافر التكنولوجيا المتقدمة التي نشرتها إسرائيل مع اختراق عملائها للمجتمع الإيراني، شكلا أكبر تهديد حتى الآن للنظام الإيراني، حيث أفاد إيرانيون بأن حالةً من الفوضى بدأت تتسلل إلى البلاد.

تقدم قوائم الأهداف التفصيلية وتقارير أضرار المعارك، التي اطلعت عليها صحيفة وول ستريت جورنال، نظرةً مُعمّقةً على الجهود الهائلة المبذولة لإضعاف إيران.

وتُظهر الوثائق أن هذه الجهود بدأت في الأيام الأولى للحرب، وما زالت تتصاعد. وتلاحق إسرائيل قوات الأمن من مقراتها إلى نقاط التجمع، ثم إلى مخابئها تحت الجسور، في محاولةٍ لعرقلة أنشطتها وإظهار للإيرانيين أن هذه القوات يُقضى عليها.

لكن عقودًا من الخبرة العسكرية تُظهر صعوبة، إن لم تكن استحالة، إزاحة حكومة من الجو. وإذا نجا النظام الإيراني، فقد يخرج أكثر جرأة وخطورة.

يقول فرزين نديمي، الباحث البارز المتخصص في الشأن الإيراني في معهد واشنطن، وهو مركز أبحاث أميركي: "سيكون نصرًا واضحًا للنظام في ظل ظروف متوقعة وغير متوقعة".

اتصال المخابرات الإسرائيلية بقادة إيرانيين

وفقاً لتقييم إسرائيلي، ألحقت الهجمات الإسرائيلية-الأميركية ضرراً بالغاً بمعنويات الجنود، ودفعت بعض قوات الأمن إلى النوم في سياراتهم أو مساجد أو منشآت الرياضية.

وفي الوقت نفسه، بدأ مسؤولو المخابرات الإسرائيلية بالاتصال بقادة عسكريين فرادى، مهددين إياهم وعائلاتهم بالاسم إن لم يتراجعوا في حال اندلاع انتفاضة، بحسب مصادر مطلعة.

صحيفة "وول ستريت جورنال" أطلعت على مضمون مكالمة هاتفية بين قائد شرطة إيراني رفيع المستوى وعميل في الموساد، جهاز المخابرات الخارجية الإسرائيلي، حيث يُسمع في التسجيل صوت عميل الموساد يتحدث بالفارسية: "هل تسمعني؟ نحن نعرف كل شيء عنك. اسمك مدرج على قائمتنا السوداء، ولدينا جميع المعلومات عنك".

ليرد القائد في التسجيل: "حسناً". ليعود ويقول عميل الموساد: "اتصلت لأحذرك مسبقاً بضرورة الوقوف إلى جانب شعبك. وإن لم تفعل، فسيكون مصيرك كمصير قائدك. هل تسمعني؟"

يرد القائد: "يا أخي، أقسم بالقرآن، لست عدوك. أنا ميت لا محالة. أرجوك فقط تعال وساعدنا".

هل تاريخ إسرائيل الطويل في الاغتيالات سينقذ الإيرانيين؟

بحسب "نيويورك تايمز" فإن اغتيال لاريجاني وسليماني سلط الضوء على مدى اعتماد إسرائيل على عمليات الاغتيال المستهدفة لتحقيق أهدافها الحربية، ولا سيما هدفها المتمثل في زعزعة استقرار الحكومة الإيرانية وتمهيد الطريق لانتفاضة شعبية عبر إضعاف قوات الأمن الداخلي.

وقال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للإسرائيليين في رسالة مصورة يوم الثلاثاء: "إذا استمرينا على هذا المنوال، فسنمنحهم (الشعب الإيراني) فرصة لتحديد مصيرهم بأنفسهم".

غير أن بعض المحللين الإسرائيليين يقولون إن هناك على الأقل بعض الأسس للاعتقاد بأن هذا التكتيك قد يُضعف إيران بما يكفي لكي تُشير الحكومة إلى استعدادها للتنازل عن طموحاتها النووية وقدراتها الصاروخية الباليستية.

أشارت سيما شاين، الضابطة السابقة في الموساد والخبيرة في شؤون إيران ووكلائها في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، إلى أن اغتيال نصر الله ساهم في إضعاف حزب الله إلى درجة دفعت الجماعة المسلحة المدعومة من إيران إلى الموافقة على وقف إطلاق النار مع إسرائيل في أواخر عام 2024.

وقالت شاين: "قد يصل الأمر إلى حدّ قولهم: هذا كثيرٌ علينا. لم نصل إلى هذه المرحلة بعد، وهم لا يصرحون بذلك، لكنه احتمال وارد". وأضافت أن تصفية قادة قوات الأمن الداخلي (الباسيج) قد تُسهم بشكل كبير في إقناع عناصرها ذوي الرتب الأدنى "بالاستيقاظ صباحًا وعدم الذهاب إلى العمل".

لكن محللين إسرائيليين حذروا من أن اغتيال قائد إيراني بارز مثل لاريجاني قد يأتي بنتائج عكسية، وذلك بحسب من سيخلفه.

وأوضحت شاين أن لاريجاني كان معروفًا ببراغماتيته وقدرته على العمل مع المعتدلين والمتشددين على حد سواء. وقد يُعزز اغتياله موقف المتشددين، مثل قائد الحرس الثوري ورئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، وهو نفسه قائد سابق في الحرس الثوري.

وقالت شاين: "إنهم من يُديرون الحرب فعلياً. وتقوية الحرس الثوري تعني استمرار الحرب، وتقديم مطالب غير مقبولة لدى الولايات المتحدة وإسرائيل".

وقال داني سيترينوفيتش، الرئيس السابق لفرع إيران في المخابرات العسكرية الإسرائيلية: "هناك حدود عند استئصال الرؤوس"، مضيفا "لا أعتقد أننا اكتشفنا بعدُ سوى جزءٍ يسيرٍ من قدرة إيران على إيجاد بدائل قادرة على تولي زمام الأمور بدلاً من أولئك الذين قُطِعَت رؤوسهم".

وأشار سيترينوفيتش إلى أن إسرائيل قتلت جميع قادة حماس تقريبًا في غزة، بالإضافة إلى حسن نصر الله وخليفته في زعامة حزب الله. ومع ذلك، لا تزال كلتا المنظمتين تعملان، وإن كانتا قد أُضعِفتا بشكلٍ كبير.