يثير مضيق هرمز، بوصفه أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، تساؤلات متزايدة حول مدى قدرة إيران على استخدامه كورقة ضغط في صراعاتها الإقليمية والدولية، وما إذا كانت تمتلك فعلا كل أدوات التأثير فيه أم أن ميزان القوى أكثر تعقيدا مما يبدو.
يقول بول سوندرز، الخبير الأميركي في السياسة الخارجية وأمن الطاقة والعلاقات الدولية، إنه في أعقاب تقارير تفيد بأن الصين تخطط لإرسال شحنات أسلحة سرية إلى إيران، يدّعي الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه حصل على التزام من نظيره الصيني شي جين بينغ بالامتناع عن تسليح "عدو أميركا في وقت الحرب".
سوندرز، رئيس مركز ناشونال إنتريست وناشر مجلة "ناشونال إنتريست"، يقول إن ترامب لا يملك عددا من "الأوراق" كما كان يأمل لإجبار القادة الإيرانيين، أياً كانوا، على قبول شروطه لإنهاء الحرب، وإغلاق إيران لمضيق هرمز، وإنهاء الولايات المتحدة للحصار البحري على إيران.
لكن في المقابل، ووفق سوندرز، لا يملك القادة الإيرانيون جميع الأوراق أيضا.
المثل الروسي؟
يقول سوندرز، إن الشيء المتعلق بلعب الأوراق هو أنه بمجرد أن تلعب ورقة، فإنك لم تعد تملكها. وقد تعلّم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذا الدرس بتكلفة باهظة على روسيا، أثناء محاولته استخدام صادرات بلاده الضخمة من الغاز عبر الأنابيب إلى أوروبا كأداة ضغط سياسي بعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022.
فقبل أن تقطع روسيا إلى حد كبير إمدادات الغاز عبر الأنابيب في وقت لاحق من ذلك العام، كان لدى بوتين نفوذ كبير على أوروبا. وبعد أن فعل ذلك، تكيف القادة الأوروبيون مع الواقع الجديد، وتلاشى جزء كبير من نفوذ بوتين، وفق المحلل.
كان ذلك التحرك الروسي مؤلما لأوروبا، لكنه أجبرها على إنشاء نظام طاقة جديد، ويواصلون التكيف دون الغاز الروسي، ومن غير المرجح أن يعودوا لشراء نفس الكميات التي كانوا يشترونها في عام 2021.
ويقول سوندرز إنه من هذا المنظور، سيكون من المفيد لقادة إيران، وكثير منهم يؤكدون براعتهم في "شطرنج" الدبلوماسية الدولية، إعادة التفكير في لعب الورق.
ويضيف سوندرز أن النفط والغاز سلعتان مختلفتان، وأسواقهما تعمل بطرق مختلفة. لكن الأهم أن نظام الطاقة العالمي قادر على التكيف مع فقدان صادرات النفط عبر مضيق هرمز، لكنه لم يتكيف بعد مع ذلك، وهذا تمييز مهم، وفق المحلل.
وقد ناقش كثيرون بالفعل ما قد يحدث في الأسواق الأميركية والعالمية عندما تصبح آليات "التكيف المؤقت"، مثل استخدام الاحتياطيات التشغيلية في المصافي وإطلاق المخزونات الاستراتيجية لسد فجوة الإمدادات النفطية، غير مستدامة.
ويقول المحلل إنه يبدو أن القادة الإيرانيين يعتقدون أن خوف ترامب من هذا السيناريو وتداعياته السياسية الداخلية المحتملة سيدفعه نحو التسوية التي يريدونها، مضيفا أنه في حال استخدموا هذه الورقة، أي إذا تسببوا في أزمة نفط عالمية تفرض تكاليف مرتفعة بما يكفي لإجبار العالم ليس فقط على التكيف بل على إعادة التكيّف، فإن إيران ستفقد نفوذها كما فقدته موسكو، قائلا "إنها مقامرة خاسرة".
أزمة نفط طويلة قد تكون كارثية على إيران
يقول سوندرز إن الأسوأ بالنسبة لطهران أن استخدام هذه الورقة في مجال الطاقة قد يؤدي إلى نتائج سياسية داخل الولايات المتحدة مشابهة لتلك التي أحدثتها أفعال روسيا في أوروبا، بما يتمثل في تصلب المواقف وتزايد الإصرار على الحسم بدلا من التفاوض.
ويشير سوندرز إلى أن الاختلاف هنا أن الولايات المتحدة لديها رئيس واحد، وليس 27 رئيسا ووزيرا، وأنها في حالة حرب بالفعل وليست مجرد متفرج، وأن الأميركيين الذين يرون الحرب الآن اختيارية قد يعتبرونها ضرورية إذا استمر التعنت الإيراني، وأن القدرات العسكرية الأميركية تفوق بكثير مجمل القدرات العسكرية الأوروبية، بينما تعد إيران خصما أقل قوة من روسيا.
ولا ينبغي لأحد أن يرغب في تجاوز العتبة التي تؤدي إلى أزمة نفط عالمية حقيقية. فمثل هذه الأزمة ستكون مكلفة لأميركا وللعالم، لكنها ستكون أسوأ بكثير على إيران وقيادتها وشعبها مقارنة بأي طرف آخر.
ويخلص المحلل إلى أن إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة هو "ورقة ضغط"، لكنه ليس خطوة حاسمة تنهي اللعبة.
يرى سوندرز أن هذا لا يعني أن مسؤولي الإدارة الأميركية يمكنهم الحصول على كل ما يريدونه من طهران، فإذا نجحوا في التفاوض، فإن النتيجة ستكون بالضرورة تسوية، مضيفا أن ذلك يعني أن قادة إيران قد يواجهون مخاطر جسيمة إذا فشلوا في التوصل إلى اتفاق مع واشنطن قبل أن يتسببوا في أضرار طويلة الأمد للاقتصادين الأميركي والعالمي.





