في الوقت الذي تزايدت فيه التكهنات بتجدد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ووسط تقارير متواترة وتصريحات لمسؤولين من هنا وهناك تحمل قدرا كبيرا من التلميح بأن عودة الحرب باتت مسألة وقت، جاءت مفاجأة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتأجيل الضربة.

المفاجأة لم تكمن في قرار التأجيل كونها ليست المرة الأولى ولا الثانية التي يتراجع فيها ترامب عن تهديداته لطهران، ولكنها في موعد الضربة الذي لم يكشف عنه إلا وهو يؤجل التحرك العسكري.

تأتي هذه التطورات وسط مساع دولية محمومة للحيلولة دون تجدد الصراع حيث لا تزال مسألة النووي الإيراني مكمن الخلاف، في ظل إصرار أميركي على عدم امتلاك طهران سلاحا نوويا وتمسك إيراني بـ"حقوقها المشروعة" في هذه القضية.

لماذا أجل ضربة "الثلاثاء"؟

الرئيس ترامب أعلن عبر منشور على منصة تروث سوشيال أنه وجه بتأجيل العمل العسكري المزمع ضد إيران "الثلاثاء"، بينما كان يفترض أن يلتقي فريقه للأمن القومي في هذا اليوم لبحث سيناريوهات التعامل مع إيران وليس لبدء الحرب من جديد، حسبما ذكرت وسائل إعلام أميركية عقب اتصال مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأحد.

ترامب الذي عزا تراجعه عن توجيه ضربة عسكرية جديدة لإيران قبل نحو شهر بناء على طلب من الوسيط الباكستاني، أرجع قراره هذه المرة إلى استجابة لطلب من قادة ٣ دول خليجية هي قطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة، بهدف إعطاء فرصة لإنجاح المساعي الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب.

وقال ترامب إن "مفاوضات جادة" جارية حاليا، دون أن يقدم أي تفاصيل عن هجوم الثلاثاء الذي بحسب تصريحاته كان مخططا له، لكنه قال إنه أصدر تعليمات للجيش الأميركي بأن يكون مستعدا للمضي قدما في شن "هجوم شامل واسع النطاق على إيران في أي لحظة، في حال عدم التوصل إلى اتفاق مقبول".

ماذا عن نوايا إيران؟

في هذا السياق، ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" نقلا عن مسؤول باكستاني، أن إيران ترغب في التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل الإعلان عن اتفاق نووي، بينما أشار المسؤول الباكستاني إلى أن واشنطن ترغب في الإعلان عن الاتفاقات المتعلقة بجميع القضايا دفعة واحدة.

ماذا وراء تراجع ترامب فعلا؟

بينما تثار العديد من التساؤلات بشأن إمكانية تحقيق اختراق عن طريق حل يرضي جميع أطراف المعادلة، يبقى التساؤل الأهم وهو هل يرغب ترامب حقا في العودة إلى القتال أم أنه يبحث عن سبيل للخروج من الحرب بأقل الخسائر، وسط تقارير عن أن الجيش الأميركي يواجه مأزقا يتمثل في نفاد الذخيرة.

وفي هذا الصدد، نشرت هيئة الإذاعة الكندية "سي بي سي" تحليلا أشارت فيه إلى أن مراقبين عسكريين يدقون ناقوس خطر من هذه الجزئية، ويسلطون الضوء على جهود البنتاغون لمضاعفة الإنتاج ثلاث مرات.

ونقل المقال عن محللين عسكريين أنهم ربما يتفقون مع ما ذهب إليه وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث من نفي أن تكون البلاد تواجه نقصا في مخزون الأسلحة في ظل حربها ضد إيران، وتأكيده أن واشنطن لديها "كل الذخيرة اللازمة لتنفيذ ما نحتاج إلى تنفيذه"، لكنهم أعربوا عن مخاوفهم بشأن النزاعات المحتملة في المستقبل.

وتصاعدت حدة أزمة نقص الذخيرة عقب مقابلة أجراها الأسبوع الماضي السيناتور الديمقراطي مارك كيلي، وهو قائد متقاعد في سلاح مشاة البحرية الأميركية، مع قناة "سي بي إس" لمناقشة بعض التقارير حول تأثير الحرب على مخزون الذخيرة الأميركية.

وقال كيلي في المقابلة: "لقد استهلكنا الكثير من الذخيرة، وهذا يعني أن الشعب الأميركي أصبح أقل أمانا، سواء كان ذلك في صراع في غرب المحيط الهادئ مع الصين أو في أي مكان آخر في العالم، فقد استنفدت الذخيرة".

ولفتت "سي بي سي" إلى أن هذا الظهور أثار غضب هيغسيث، الذي أطلق بعد ذلك تحقيقا بشأن ما إذا كان السيناتور كيلي قد كشف عن معلومات سرية خلال المقابلة.

اعتبارات اقتصادية أخرى؟

لكن مايكل أوهانلون، مدير أبحاث السياسة الخارجية في معهد بروكينغز، الذي يتخذ من واشنطن مقرا له، كان له رأي آخر فيما يتعلق بمبعث القلق بالنسبة لواشنطن. فهو يرى أن هناك "٤ عوامل تتسم بعدم اليقين" أكثر أهمية من المخزونات، وهي "من يوجه الضربة الأولى، وقدرة أنظمة الاتصالات والاستطلاع على الصمود، واحتمال التوسع الجغرافي أو التصعيد النووي، أو كليهما فضلا عن الاعتبارات الاقتصادية".

واعتبر أن أي خصم يعتقد أن نفاد مخزونات الولايات المتحدة من عدة أسلحة رئيسية يخلق فرصة سانحة "سيكون قد قام بمغامرة كبيرة وربما حمقاء".

وبين تلك الاعتبارات مجتمعة ومع اقتراب انطلاق بطولة كأس العالم لكرة القدم التي تشارك الولايات المتحدة في تنظيمها الشهر المقبل وتريد لها النجاح بطبيعة الحال، تأتي حسابات أخرى يضعها الرئيس الأميركي في الحسبان وهي النظر بعين الاعتبار لرغبة الحلفاء في المنطقة في عدم تأجيج الصراع من جديد ومنح فرصة جديدة للدبلوماسية علها تنجح هذه المرة في تسوية الصراع.