بعد مرور أكثر من عام على الاشتباكات الدامية التي شهدتها محافظة السويداء جنوب سوريا في يوليو 2025، لا يزال ملف المحافظة معقداً ولا يوحي بأي حل قريب.

فقد عاد التوتر خلال الساعات الماضية، إلى المحافظة بعد إصابة عناصر من قوى الأمن الداخلي خلال التصدي ‏لهجمات في الريف الغربي.‏ وقبلها شهدت السويداء اضطرابات بسبب مرسوم الدورة الاستثنائية للطلاب وما نتج عنه من تصعيد.

أمام هذه التوترات، ناشدت تعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، لحل الملف المعقد في السويداء بأي طريقة، خصوصا وأن المدنيين من سكان المحافظة باتوا رهن الواقع الصعب.

"تعقيد المصالح"

لكن الناشطة السياسية والحقوقية السورية سارة عساف، رأت أنه من البساطة بمكان ما أن يعتقد البعض أن أزمة السويداء هي مجرد خلاف بين شيخ وسلطة، على مطالب متعلقة بدولة المواطنة، لأن قراءة المشهد بعمق تكشف عن طبقات أكثر تعقيداً، تتداخل فيها مصالح إقليمية، وأوراق داخلية، وحسابات سياسية ولوجستية، تجعل من هذه المحافظة الجنوبية نموذجاً مصغّراً لصراع النفوذ في سوريا الجديدة.

وتابعت عساف أن الشيخ حكمت الهجري كان وريثاً طبيعياً لحركة الاحتجاجات المدنية التي انطلقت في السويداء صيف 2023، والتي كانت تعبّر عن مطالب شعبية حقيقية. لكنه لم يتحوّل إلى قائد عسكري للحرس الوطني إلا في يوليو 2025، أي بعد موجة العنف التي أوقعت آلاف القتلى.

كما رأت أن هذا التأخر في الدخول الميداني جعله يبدو كأنه يركب الموجة، لكنه سرعان ما أصبح لاعباً أساسياً يمتلك قراره الميداني.

وتابعت عساف أن مطالب "دولة المواطنة" لم تكن نتاجاً محضاً للشارع المحلي، بل مطالب قوة إقليمية لها مصالح استراتيجية في الجنوب السوري.

في المقابل، ذكرت أن الحضور السريع للسلطات في دمشق كان الخطوة الأولى نحو محاولة لملمة الأوضاع في الجنوب، لكن هذه الخطوة لم تنجح بعد في إخماد جذور التوتر، والدليل على ذلك استمرار الاشتباكات المسلحة، وآخرها ما جرى في ريف السويداء الغربي (المنصورة، لغا، تل حديد) نهاية أغسطس وبداية سبتمبر 2026، مما يؤكد أن الملف ما زال مفتوحاً على كل الاحتمالات.

أما عن مخارج الأزمة، فأشارت إلى أن هناك حديث عن حلول برعاية قوى وعربية فاعلة، على أن تنال هذه الأطراف المتدخلة ثقة الطرفين معاً: ثقة الحكومة السورية الجديدة، وثقة الجبل، مشددة على أن غياب الضامن الخارجي المقبول من الجميع يبقي أي اتفاق هشاً وقابلاً للانهيار بأي خرق ميداني.

وعلى الصعيد اللوجستي، وجدت أن تأمين الطريق الواصل بين السويداء والعاصمة يبقى هو الشريان الأوحد الذي لا غنى عنه، وأي حل مستدام يجب أن يضمن انسيابية هذا الممر دون عوائق أمنية أو عسكرية، لأنه عصب الحياة لأهالي المحافظة.

ورأت أنه لا بد من تحسين التعاون مع السويداء فيما يخص مؤسسات الدولة، وإعادة تفعيل دورها الخدمي بعيداً عن المنطق الأمني الضيق. وتأتي قضية تعليم الطلاب في صدارة هذا الملف؛ إذ يجب النظر إليها نظرة واقعية، وإبعاد هذا القطاع الحيوي تماماً عن الصراعات السياسية والعسكرية، مشددة على أن على الحكومة أن تبدي مرونة حقيقية وتثق بالكادر التعليمي الذي كان يقوم بواجبه على أكمل وجه قبل الأزمة، فالطلاب ليسوا رهائن للمناورات، ومستقبل جيل كامل لا يحتمل الانتظار.

وعن الأحداث الأخيرة، فلفتت إلى أن قراءتها الأقرب أنها ليست صراعاً على بقعة جغرافية بقدر ما هي اللعب بالوقت المستقطع، وربما التغطية على خطط حقيقية أخرى تُحضّر في الكواليس، سواء على صعيد الجنوب السوري ككل، أو ضمن أجندات إقليمية أوسع.

إلى ذلك، ختمت بأن القوى المتداخلة في السويداء متعددة الأهداف، وما يبدو للوهلة الأولى كصراع مركزي بين طرفين، هو في الحقيقة فسيفساء معقدة من المصادرات الداخلية والإملاءات الخارجية.

ورأت أنه رغم أن الهجري دخل المشهد متأخراً نسبياً، إلا أنه أصبح اليوم عنصراً لا يمكن تجاهله. لكن الحل النهائي، كما يستشف من المعطيات، لن يكون عسكرياً محضاً، بل مرهون بضمانات خارجية، وحلول لوجستية، وفصل للقطاع الخدمي عن التجاذبات السياسية.

في غياب ذلك، أوضحت أن الأحداث الأخيرة ستبقى مجرد جولات من "الوقت المستقطع" تسبق جولات أخرى، والمشهد مفتوح على كل الاحتمالات.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

"لا انفراجة"

يذكر أن عددا من عناصر قوى الأمن الداخلي كانوا أصيبوا خلال الأشهر ‏الماضية، جراء هجمات واعتداءات نفذتها مجموعات مسلحة على مواقعهم في قرى ريف السويداء الغربي.‏

فيما لم يشهد ملف المحافظة المعقد أي انفراجات تذكر منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقع في يوليو 2025، عقب الاشتباكات المسلحة.

كما أنها لا تزال تعيش توترات أمنية تشمل استهداف نقاط عسكرية، بينما تلتزم الحكومة بعمليات إجلاء الراغبين، ودخول المساعدات الإنسانية.