في قاعة هادئة داخل مركز رولكس لتدريب صانعي الساعات في مدينة دالاس، تنحني ويتني أوبانر فوق ساعة ميكانيكية تحاول إصلاح خلل دقيق في أحد أجزائها.

قبل سنوات قليلة كانت تعمل في شركات التكنولوجيا الكبرى مثل آبل وأمازون وسلاك، وتتقاضى راتبا سنويا مرتفعا وتشارك في تطوير منتجات رقمية يستخدمها ملايين الأشخاص. لكن اليوم، تقضي ساعات طويلة وهي تعدل نابضا لا يتجاوز سمكه شعرة بشرية.

بالنسبة إليها، لم يكن الأمر تراجعا مهنيا بل بحثا عن معنى مختلف للعمل. وتقول صحيفة ذا تايمز إن أوبانر ليست حالة استثنائية، بل تدخل ضمن موجة متزايدة من الأميركيين الذين يتجهون إلى مهن يدوية متخصصة يعتقدون أنّ الذكاء الاصطناعي لن يتمكن من الاستيلاء عليها بسهولة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

مدرسة أصعب من هارفارد

بحسب تقرير ذا تايمز، تحوّل مركز رولكس في دالاس إلى واحدة من أكثر برامج التدريب المهني تنافسية في الولايات المتحدة.

في الدفعة التي تبدأ دراستها هذا العام تقدم 626 شخصا للحصول على 27 مقعدا فقط، ما يجعل نسبة القبول نحو 4٪، وهي نسبة تقارنها الصحيفة بمعدلات القبول في جامعة هارفارد.

وتستمرّ الدراسة 18 شهرا يتعلم خلالها الطلاب الميكانيكا الدقيقة، وصيانة الساعات الكوارتز، والتشحيم، والعزل ضد الماء، والتلميع، ثم ينتقلون إلى التعامل مع ساعات حقيقية يرسلها الزبائن للصيانة.

وفي نهاية البرنامج يخضع المتدربون لاختبار نهائي في جنيف يشمل إصلاح ساعة تحتوي على أعطال مقصودة. ويفصل أي طالب يفشل أكثر من مرة في بعض المراحل الأساسية.

وتقول راشيل وولف، مديرة المركز، إن المدرسة لا تبحث فقط عن المهارة اليدوية، بل عن أشخاص قادرين على التواصل مع العملاء أيضا، في محاولة لتغيير الصورة النمطية لصانع الساعات المنعزل في غرفة خلفية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

الذكاء الاصطناعي يدفع نحو المهن اليدوية

من أبرز قصص التقرير قصة كاتي غيردتس التي كانت تعمل في التسويق قبل أن تشعر بأن الذكاء الاصطناعي بدأ يهدد مستقبل مهنتها. وتقول إنها عثرت على برنامج رولكس أثناء بحثها عبر الإنترنت عن وظائف "مقاومة للذكاء الاصطناعي". وقدمت في الوقت نفسه لبرامج تدريب في مجالات السباكة وأنظمة التبريد والتكييف وصناعة الساعات، قبل أن يقع اختيارها على الأخيرة.

أما ويليام كليكارد، الذي كان يعمل في التصميم الغرافيكي، فيقول للصحيفة إن الذكاء الاصطناعي جعله يشعر بأن مستقبله المهني "تبخر فجأة". ويصف مدرسة صناعة الساعات بأنها كانت بمثابة حلم بالهروب من عالم الشاشات والبرمجيات إلى عمل ملموس يمكن رؤيته ولمسه.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من المتقدمين للبرنامج يأتون من خلفيات مهنية غير تقليدية، من أبحاث السرطان إلى هندسة البرمجيات والتسويق، في ظاهرة تعكس إعادة تقييم واسعة لمفهوم الوظيفة الآمنة في عصر الأتمتة والذكاء الاصطناعي.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

وظائف كثيرة ورواتب مرتفعة

أنشأت رولكس البرنامج أساسا لمعالجة نقص صانعي الساعات في الولايات المتحدة. فالشركة تبيع نحو مليون ساعة سنويا وتوصي بصيانة ساعاتها كل ١٠ سنوات تقريبا، بينما تشير تقديراتها إلى الحاجة إلى عشرات الفنيين الجدد كل عام لتلبية الطلب المتزايد.

وتؤكد ذا تايمز أن خريجي البرنامج يواجهون مشكلة غير مألوفة في سوق العمل: كثرة عروض التوظيف. فقد بلغ متوسط الرواتب التي حصلت عليها الدفعة السابقة نحو 96 ألف دولار سنويا، بينما تلقى بعض الطلاب عروضا تتجاوز 100 ألف دولار مع مكافآت إضافية ومزايا انتقال إلى ولايات أخرى.

ويذكر التقرير حالة فيكتور تومامبينغ، الذي انتقل من أبحاث السرطان إلى صناعة الساعات، وتلقى عرضين وظيفيين براتب من ستة أرقام، ما جعله يحتار بين البقاء قرب عائلته في نيويورك أو الانتقال إلى ولاية أخرى توفر ظروفا أفضل لحياته المستقبلية.

وبينما يواصل العالم سباقه نحو مزيد من الأتمتة، يرى بعض طلاب رولكس أن قيمة مهنتهم تكمن في شيء لا تستطيع الخوارزميات تقليده بسهولة: القدرة على إصلاح آلة ميكانيكية معقدة بأدوات دقيقة ولمسة بشرية وخبرة متراكمة، بحيث تعود الساعة إلى الحياة وتستأنف قياس الوقت كما صممت قبل عقود.