فاز الديمقراطيون بأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب محققين انتصارات ساحقة امتدت إلى عمق معاقل الجمهوريين، في وقت وجه فيه عشرات الملايين من الناخبين توبيخا لاذعا للرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وتُعدّ الانتخابات بمثابة استفتاء شعبي على الولاية الثانية لترامب، خصوصا في ظلّ استياء الناخبين من ارتفاع تكاليف المعيشة والرسوم الجمركية والحرب المتواصلة على إيران، والتي ساهمت بدورها في ارتفاع أسعار الوقود، لتتراجع بفعل كل ذلك معدّلات تأييد الرئيس إلى أدنى مستوياتها التاريخية.
وتُظهر القراءات التحليلية المستمدة من التغطيات الإعلامية والدوريات الدبلوماسية العالمية أن المعركة الحقيقية في الانتخابات، غالباً ما تبدأ فور إغلاق صناديق الاقتراع، حيث تلجأ الأطراف السياسية، وفي مقدمتها تيار الرئيس دونالد ترامب، إلى منظومة معقدة من الطعون القانونية والإدارية.
وتهدف هذه الاستراتيجيات في كثير من الأحيان إلى إطالة أمد فرز الأصوات، وتأخير الاعتماد الرسمي للنتائج، وخلق حال من السجال المستمر أمام الرأي العام.
المظلة الدستورية وصلاحيات المجالس التشريعية للولايات
وتستند الهيكلية القانونية للانتخابات الأميركية إلى توزيع دقيق للصلاحيات بين الحكومة الفيدرالية وسلطات الولايات.
وفي هذا السياق، تبرز المادة الأولى، البند الرابع، المقطع الأول من الدستور الأميركي كأساس قانوني محوري، والتي تنص صراحة على أن:
- تحدد الأوقات والأماكن والطريقة لإجراء انتخابات أعضاء مجلس الشيوخ والنواب في كل ولاية من قبل سلطتها التشريعية، ولكن يجوز للكونغرس في أي وقت أن يصدر قانوناً أو يغير مثل هذه اللوائح.
وتمنح هذه المادة المجالس التشريعية المحلية صلاحيات واسعة لضبط قواعد العملية الانتخابية، غير أنها تتحول غالباً إلى مادة خصبة لنزاعات قضائية محتملة.
فعندما تُقدِم الهيئات الإدارية أو المحاكم المحلية على إدخال تعديلات إجرائية طارئة، يُسارع المُعترضون إلى رفع دعاوى أمام المحاكم الفيدرالية بدعوى أن تلك التعديلات تنتهك التفويض الدستوري الأصلي الممنوح للمجالس التشريعية، مما يعطل مسار المصادقة على النتائج.
الطعن في صلاحية الناخبين
تتضمن استراتيجيات الطعن المتبعة التركيز على أهلية الناخبين والبطاقات التي تُدلى بها عبر البريد أو في مراكز اقتراع غير تقليدية، استناداً إلى البند الأول من التعديل الرابع عشر للدستور الأميركي، الذي ينص على أنه:
- لا يجوز لأي ولاية أن تحرم أي شخص من الحياة أو الحرية أو الملكية من دون الإجراءات القانونية الواجبة، ولا أن تحرم أي شخص يخضع لسلطتها القضائية من الحماية المساوية للقوانين.
وفي هذا الإطار، تسعى الطعون القانونية للتشكيك في مطابقة سجلات المقترعين والمطالبة باستبعاد الأصوات بذريعة وجود شبهات إجرائية. وتتضح هذه الأساليب من خلال عدة أمثلة قضائية حاسمة:
- طعن ولاية كاليفورنيا في العام 2026: شهدت الولاية محاولات قانونية لرفض وطعن أهلية نحو عشرين ألف مقترع بحجة عدم استيفائهم الشروط الدقيقة للإقامة أو الاقتراع خارج الدوائر المعتمدة؛ إلا أن محاكم الاستئناف الفيدرالية قابلت تلك الطعون بردها لعدم تقديم أدلة ملموسة على وجود تزوير منظم.
- دعوى ترامب ضد وزيرة خارجية ولاية بنسلفانيا كاثرين بوكفار في عام 2020: طعنت حملة ترامب أمام المحاكم الفيدرالية ومحكمة بنسلفانيا العليا في صحة بطاقات الاقتراع عبر البريد التي افتقرت للتاريخ أو المطابقة الدقيقة للتوقيعات وفق قانون الانتخابات بالولاية، بهدف تجميد إقرار النتائج؛ وقد رفضت المحكمة العليا الأميركية النظر فيها وأكدت شرعية الفرز.
- نزاع ألاسكا على انتخابات مجلس الشيوخ في العام ٢٠١٠: رفع دعاوى قانونية لمنع توثيق نتائج انتخابات مجلس الشيوخ بداعي البلبلة في كتابة أسماء المرشحين وتداخل قواعد التصويت المباشر، والتي استُخدمت لربط عملية التوثيق النهائي بسلسلة من جلسات الاستماع الفيدرالية.
منازعات إعادة الفرز اليدوي وضوابط المهل
تُعد المطالبة بإعادة فرز الأصوات يدوياً إحدى أبرز أدوات الضغط والمماطلة في الولايات ذات الهوامش الضيقة. وتستند هذه الطلبات إلى قوانين الانتخابات الداخلية للولايات والتي تتيح للمرشحين طلب المراجعة اليدوية إذا كان الفارق بين المتنافسين يقع ضمن نسب محددة بدقة.
تاريخياً، تجسدت هذه الأداة في قضية قضائية تاريخية وحاسمة، وقعت في عام 2000 وانتهت بقرار من المحكمة الأميركية العليا حسم نتيجة الانتخابات الرئاسية لصالح المرشح الجمهوري حينها جورج دبليو بوش على حساب المرشح الديمقراطي آل غور في العام ٢٠٠٠ أمام المحكمة العليا الأميركية؛ حيث استمرت النزاعات القضائية في شأن إعادة العد اليدوي لبطاقات الاقتراع في ولاية فلوريدا لأسابيع متواصلة بعد انتخابات الرئاسة.
وحسمت المحكمة العليا النزاع في 12 ديسمبر من العام ذاته، بناءً على بند الحماية المُساوية في التعديل الرابع عشر، موقِفةً إعادة العد ومحددة المهل النهائية لاجتماع الهيئات الناخبة وفق الباب الثالث من مدونة القوانين الأميركية، وتحديداً المادة الخامسة المتعلقة بالمهلة الآمنة لإقرار النتائج.
ولضبط هذا المسار ومنع الفوضى، ينظم القانون الفيدرالي، بموجب التعديلات الحديثة عبر قانون إصلاح عد الأصوات الانتخابية، الأطر الزمنية الصارمة التي توجب حسم النزاعات والطعون المحلية والبت فيها نهائياً قبل المهل المحددة، لقطع الطريق أمام محاولات تعطيل التوثيق النهائي.
تأثير الطعون على جدول تشكيل الكونغرس الجديد
ينص التعديل العشرون للدستور الأميركي في المقطع الثاني على أن الفترة النيابية للكونغرس تبدأ رسمياً في 3 يناير في تمام الساعة الثانية عشرة ظهراً.
ومع ذلك، تؤدي النزاعات القضائية وإعادة الفرز إلى عرقلة هذا الجدول الدستوري من خلال التأخير في توثيق النتائج الصادرة عن الولايات، وهو ما يحرم المرشحين الفائزين في المقاعد المتنازع عليها من أداء اليمين الدستورية في اليوم الأول.
كما يؤدي هذا الشغور الإجرائي إلى تجميد عملية اختيار رئيس مجلس النواب، وتأخير إقرار اللوائح الداخلية للمجلس وتشكيل اللجان النيابية الحاكمة، ما يترك المقاعد المتنازع عليها معلقة إلى حين الفصل النهائي فيها أو صدور قرار رسمي من البرلمان بشرعية العضوية.
سلطة الكونغرس المطلقة وكلمته الفصل في حسم العضويات
عند استنفاد درجات التقاضي المحلي والفيدرالي، يتدخل المسار الدستوري الأخير المتمثل في صلاحيات البرلمان نفسه.
فوفقاً للأعراف الدستورية وقواعد الكونغرس الأميركي، يمتلك مجلسا النواب والشيوخ السلطة الحصرية والقول الفصل في التحقيق بصحة انتخاب أعضائهما والفصل النهائي في أي طعن يتعلق بشرعية المقاعد المتنازع عليها عند جلسة إقرار النتائج الرسمية.
وبذلك تُحوّل هذه الآليات المعقدة أي سباق انتخابي متقارب إلى ملحمة قانونية وسياسية طويلة الأمد.
هل يستطيع مجلس النواب الحالي قلب نتائج الانتخابات؟
تسمح القوانين الأميركية للمرشح الخاسر بتقديم طعن رسمي إلى مجلس النواب في شأن نتيجة مقعد محدد. يُحال الطعن على "لجنة إدارة مجلس النواب"، والتي تملك صلاحية التحقيق، وإعادة الفرز، أو رفع توصية للمجلس الكامل بإلغاء النتيجة أو طلب إعادة الانتخابات.
قيود المحكمة العليا
تقف المحكمة العليا الأميركية سدا منيعا في وجه أي تعسف أو تجاوز لحدود السلطة.
نظريا يمكن للغالبية في مجلس النواب استغلال سلطتها لعرقلة حلف يمين لأي مرشح فائز في الانتخابات أو مراجعة مقاعد فردية محددة من خلال إجراء تحقيقات إجرائية طويلة، إلا أن سيناريو الإقدام على إلغاء نتيجة فوز جماعي مستبعد، وهو ما يعارض مسار اجتهاد المحكمة العليا الأميركية.





