برز اسم رجل الأعمال الأميركي إريك برنس، مؤسس شركة "بلاك ووتر"، مجددًا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث يقاتل متعاقدون عسكريون يعملون لحسابه إلى جانب الحكومة، بالتزامن مع تنافس واشنطن على الوصول إلى المعادن الاستراتيجية في البلاد، وفق باحثين ومصادر محلية تحدثوا لوكالة فرانس برس.
وفي هذا البلد الواقع في وسط أفريقيا، رُصد وجود مجموعات أجنبية شبه عسكرية، يقول سكان إنها تدعم القوات الحكومية ضعيفة التسليح في مواجهة حركة «إم 23».
ولا يعرف المسؤولون، في جميع الحالات، الجهات التي توظف هؤلاء الأجانب، لكن اسم برنس، رجل الأعمال المقرب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يتكرر في إفادات المصادر.
وأسس برنس شركة "بلاك ووتر" للخدمات الأمنية والعسكرية، التي أُدين أفراد منها بارتكاب فظائع في العراق.
عقود أمنية ومعادن
قال تحقيق نشرته "المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود" هذا الشهر إن برنس "رسّخ موقعه لاعبًا رئيسيًا في الاقتصاد السياسي والأمني لجمهورية الكونغو الديمقراطية"، ووصف عملياته بأنها نموذج غير مسبوق في المنطقة يجمع الأعمال التجارية بالخدمات الأمنية.
ووفق المبادرة، وقّع برنس عام 2024 عقدًا مع وزارة المالية الكونغولية تراوحت قيمته بين 100 و200 مليون دولار.
وكان الهدف المعلن للعقد مساعدة السلطات على تأمين مواقع التعدين، وتحسين آليات تحصيل الضرائب، والحد من تهريب المعادن عبر الحدود.
لكن التقرير ربط برنس أيضًا بعمليات استعادة أوفيرا، إحدى المدن الرئيسية في مقاطعة جنوب كيفو، في يناير 2026، بعدما سيطرت عليها حركة "إم 23" لفترة وجيزة.
وبحسب التقرير، يُعتقد أن مجموعة برنس دعمت قوات العمليات الخاصة ووحدات الجيش الكونغولي بمراقبة عبر الطائرات المسيّرة ومساعدات تقنية أخرى.
اتفاق لم يُنهِ القتال
بعد سيطرة حركة «إم 23» على غوما، عاصمة إحدى المقاطعات الرئيسية شرقي البلاد، في يناير 2025، أظهرت تسجيلات مصورة عناصر الحركة وهم يرافقون مئات المتعاقدين العسكريين الرومانيين إلى خارج الكونغو عبر رواندا.
وفي العام نفسه، توسطت الولايات المتحدة في اتفاق بين الكونغو الديمقراطية ورواندا، استهدف إنهاء القتال مقابل إتاحة وصول الأميركيين إلى المعادن.
واستقرت خطوط الجبهة، لكن النزاع لم يُحسم، فيما باتت الطائرات المسيّرة تؤدي دورًا رئيسيًا في العمليات.
وبحسب تقرير لخبراء الأمم المتحدة، أنهت الحكومة الكونغولية بصورة مفاجئة عقدًا مع شركة "أجيميرا" العسكرية الخاصة، التي يقودها فرنسيون، بعدما أخفق المتعاقدون في مساعدة القوات الحكومية التي كانت تتراجع أمام حركة "إم 23" المدعومة بتعزيزات رواندية.
كيسانغاني.. مركز للشركات العسكرية
أفاد خبراء الأمم المتحدة بأن أفرادًا سابقين في "أجيميرا" أُعيد نشرهم في كيسانغاني، عاصمة إحدى المقاطعات الشرقية، على بُعد مئات الكيلومترات من خطوط المواجهة.
وأشار تقريرهم أيضًا إلى وجود متعاقدين عسكريين من أميركا الجنوبية، من دون تحديد الجهة التي توظفهم.
وشوهد هؤلاء في ساحة مطار كيسانغاني بملابس عسكرية خضراء، ينفذون أعمال صيانة لطائرات عسكرية. وقال مصدر مطّلع لفرانس برس إن منشآت لإيواء عدة آلاف من هؤلاء الأفراد بُنيت في المدينة.
وبحسب الخبراء، أصبحت كيسانغاني مركزًا جديدًا لانتشار الشركات العسكرية الخاصة، التي تتولى خصوصًا تشغيل مسيّرات "سي إتش-4" الصينية الصنع، المستخدمة بانتظام في ضرب مواقع «إم 23».
ولم يحدد الخبراء أسماء الشركات العاملة هناك، لكن مصادر ربطت هذا المركز ببرنس.
قتيل وجريح في كمين
ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن متعاقدين يعملان لحساب برنس، أحدهما نيوزيلندي والآخر عضو سابق في القوات الخاصة الأميركية، تعرضا لكمين في منطقة أوفيرا خلال سبتمبر.
وبحسب الصحيفة، قُتل النيوزيلندي وأُصيب العسكري الأميركي السابق.
وتحتفظ شركتا "فيكتوس غلوبال" و"كوانتوم غلوبال كونسالتينغ"، اللتان تمثلان مصالح برنس في الكونغو الديمقراطية، بوجود في العاصمة كينشاسا، فيما يتجنب مسؤولوهما الظهور العلني.
طيارون ومدربون قرب حزام التعدين
في بلدة كاليمي النائية جنوب شرقي البلاد، يلفت رجال غربيون ذوو بنية جسدية ضخمة الأنظار قرب مسبح أحد الفنادق.
وأوضح مسؤول في الجيش الكونغولي، طلب عدم كشف اسمه، أن وجودهم يرتبط جزئيًا بموقع البلدة الاستراتيجي، في منتصف الطريق بين المناطق الخاضعة لسيطرة «إم 23» وحزام التعدين في المنطقة.
وبحسب مصادر أمنية وبعض الرجال الموجودين قرب المسبح، تضم المجموعات الأجنبية في البلاد أوكرانيين وإسرائيليين وجنوب أفريقيين وجزائريين.
وعرّف رجال تحدثوا إلى فرانس برس عن أنفسهم بأنهم طيارون أو مدربون، وبعضهم خدم سابقًا في القوات الخاصة. وقال آخرون إنهم قاتلوا من قبل كمرتزقة في نزاعات أفريقية، وأعلن بعضهم تبنيه آراء اليمين الأميركي البديل.
وأصر المسؤول العسكري الكونغولي على أن هؤلاء ليسوا مقاتلين، من دون تقديم تفاصيل إضافية. وأقر بأن حتى أفراد الجيش الكونغولي يجدون صعوبة في فهم شبكة الشركات العسكرية الخاصة العاملة في البلاد والجهات المرتبطة بها.
أما سكان كاليمي وأفراد الميليشيات فيها، فقالوا إنهم متأكدون من أمر واحد: هناك "أميركيون" يقاتلون إلى جانب القوات الكونغولية.





