لم تعد صناعة الرفاهية تبيع حقائب وساعات وملابس فحسب، بل باتت تبيع شعورا بالاستثنائية والانتماء إلى عالم مغلق لا يدخله الجميع.
تحولت حقيبة بيركين من هيرميس، التي قد يتجاوز سعرها 30 ألف يورو، إلى رمز عالمي للرغبة والندرة، حتى إن بعض الزبائن ينتظرون أشهرا أو سنوات للحصول عليها، بينما ينفق آخرون آلاف اليوروهات على منتجات لا يريدونها فقط ليصبحوا "مؤهلين" لشراء الحقيبة المطلوبة.
هكذا وصفت مجلة دير شبيغل صناعة الرفاهية الحديثة، التي تقودها علامات مثل هيرميس ولويس فويتون ورولكس، باعتبارها صناعة تقوم على خلق الرغبة أكثر من بيع المنتجات نفسها.
لعبة الندرة.. لماذا يتوسل الناس لشراء حقيبة؟
بحسب التقرير، فإن الحصول على حقيبة بيركين بات يشبه لعبة نفسية واجتماعية معقدة بين العلامة التجارية والزبون.
في منتديات ريديت، يتحدث المستخدمون عما يسمونه "لعبة هيرميس"، حيث يروي البعض كيف اضطروا إلى شراء قفازات وأحذية وأوشحة وأحزمة وبطاقات لعب ومنتجات أخرى فقط للحصول على فرصة شراء الحقيبة الشهيرة.
وتنقل دير شبيغل عن المدير السابق لهيرميس باتريك توماس قوله: "إذا كان المنتج يبيع جيدا أكثر من اللازم، فإننا نسحبه فورا من السوق". كما تستشهد المجلة بمقولة إنزو فيراري الشهيرة: "نصنع دائما سيارة أقلّ من طلب السوق".
وتفيد المجلة بأن هذه السياسة تقوم على "الندرة المصطنعة"، أي جعل المنتج نادرا عمدا لزيادة الرغبة فيه.
ورغم نفي هيرميس ربط شراء حقيبة بيركين بشراء منتجات أخرى، أكدت الشركة أن تصنيع كل حقيبة يتم يدويا بواسطة حرفي واحد ويستغرق نحو 15 ساعة، ما يفرض بطبيعة الحال محدودية في الإنتاج.
وتصف المجلة تجربة دخول متجر هيرميس بأنها أقرب إلى دخول عالم أرستقراطي قديم، حيث الألوان الهادئة والحديث الخافت والعطور الفاخرة والموظفون الذين يتعاملون مع الزبون وكأنه ضيف في طقس اجتماعي خاص.
وترى أن صناعة الرفاهية تقوم على "مثلث" يضم البائع والمشتري والمراقب المحروم من الشراء، لأن الشعور بالإقصاء جزء أساسي من صناعة الحصرية.
لويس فويتون.. صناعة الأسطورة والتفاصيل
في ضاحية أنيير سور سين قرب باريس، ما تزال لويس فويتون تدير مصنعها التاريخي الذي تعود جذوره إلى القرن الـ١٩.
وتصف دير شبيغل كيف يعمل الحرفيون داخل المصنع بدقة شبه طقسية، حيث يستخدم أحد العمال مطرقة جلدية لحماية المسامير النحاسية المنقوش عليها اسم لويس فويتون، بينما يمرر أصابعه ببطء فوق المسامير للتأكد من أن ملمس الحقيبة سيكون مثاليا للزبون.
ويقول أحد العاملين في المصنع: "تحتاج إلى الشغف والصبر". لكن المجلة تشير إلى أن الحديث مع العمال يخضع لرقابة صارمة، وأن التصوير داخل الورش محدود للغاية، لأن الغموض جزء من استراتيجية صناعة الرفاهية.
كما توضح أن لويس فويتون لا تبيع منتجات فحسب، بل تبيع تاريخا وأسطورة متوارثة منذ القرن الـ١٩، حين ابتكر مؤسس الشركة حقائب سفر مقاومة للماء ذات أغطية مسطحة لتسهيل تكديسها في القطارات والسفن. وحتى شعار LV الشهير بات جزءا من طقس بصري عالمي يعزز صورة العلامة بوصفها رمزا للنخبة.
برنار أرنو.. الرجل الذي حوّل الرفاهية إلى إمبراطورية
تقول دير شبيغل إنّ رجل الأعمال الفرنسي برنار أرنو، مالك مجموعة LVMH، نجح في تحويل الرفاهية من عالم مغلق على الأثرياء إلى صناعة جماهيرية من دون أن يفقدها هالتها الخاصة. وتمتلك مجموعته 75 علامة فاخرة، من بينها ديور ولورو بيانا وتيفاني ودوم بيرينيون وهوبلو.
وتنقل المجلة عن أرنو قوله: "السلع الفاخرة هي المجال الوحيد الذي يمكن تحقيق هوامش ربح فاخرة فيه". وتوضح أنّ المجموعة حققت إيرادات بلغت 81 مليار يورو وأرباحا تقارب 18 مليار يورو، بهامش ربح يصل إلى 22٪، مقارنة بـ2.8٪ فقط لشركة "فولكسفاغن".
وترى المجلة أن عبقرية أرنو تمثلت في إيجاد "المسافة المثالية" بين المنتج والزبون، بحيث تصبح الرفاهية قابلة للوصول ولكن ليس بسهولة كاملة. ولذلك، حتى الأشخاص الذين لا يستطيعون شراء أزياء ديور الراقية، يمكنهم شراء "حلم الرفاهية" عبر أحمر شفاه بـ50 يورو يحمل اسم العلامة نفسها.
وتشير دير شبيغل إلى أن صناعة الرفاهية لا تقوم على المنطق الاقتصادي التقليدي، بل على صناعة الرغبة والشعور بالتميز. فالحقيبة أو الساعة ليست مجرد منتج يؤدي وظيفة، بل بوابة نفسية واجتماعية إلى عالم من الندرة والمكانة والخيال.





