لعدة عقود، ظلّ دواء واحد في صدارة الخيارات العلاجية لمرض السكري من النوع الثاني. ورغم استخدامه الواسع، تكشف الأبحاث الحديثة أن آلية عمله ما تزال تحمل الكثير من الأسرار التي لم تُفكك بالكامل بعد.
عقار ميتفورمين (Metformin)، الذي صُنّف كثاني أكثر الأدوية وصفاً في الولايات المتحدة عام 2023، تم تطويره لأول مرة عام 1922، وبدأ استخدامه على نطاق واسع منذ منتصف القرن الماضي. وعلى مدى هذه السنوات، اشتهر بقدرته الفعالة على خفض مستويات الغلوكوز في الدم، ما جعله حجر الأساس في علاج ملايين المرضى حول العالم.
لكن دراسة حديثة نُشرت في مجلة Science Advances كشفت مفاجأة غير متوقعة: هذا الدواء لا يعمل فقط عبر الكبد أو الأمعاء، بل يمتد تأثيره إلى الدماغ.
يقول د. ماكوتو فوكودا، عالم الأعصاب في كلية بايلور للطب: "كان الاعتقاد السائد أن الميتفورمين يخفض غلوكوز الدم أساساً عبر تقليل إنتاجه في الكبد، كما أشارت دراسات إلى دور الأمعاء. لكننا قررنا فحص الدماغ، باعتباره المنظم الرئيسي لعمليات التمثيل الغذائي للغلوكوز، لمعرفة ما إذا كان يساهم في تأثيرات الدواء وكيف يحدث ذلك".
الدماغ مفتاح التأثير
وأظهرت النتائج أن غياب بروتين Rap1 أدى إلى فشل الميتفورمين في خفض مستويات السكر لدى الفئران التي خضعت لنظام غذائي عالي الدهون لمحاكاة السكري. في المقابل، استجابت هذه الفئران لأدوية أخرى مثل الإنسولين ومحفزات ببتيد GLP-1، ما يشير إلى أن الميتفورمين يعتمد بشكل أساسي على هذا المسار الدماغي تحديداً.
ولتعزيز هذه النتائج، قام الباحثون بحقن جرعات ضئيلة جداً من الميتفورمين مباشرة في أدمغة فئران مصابة بالسمنة، فلاحظوا انخفاضاً واضحاً في مستويات الغلوكوز.
وأشار الفريق إلى أن التأثير تحقق بجرعة لا تتجاوز 1 ميكروغرام، وهي أقل بآلاف المرات من الجرعات الفموية المعتادة، ما يدل على حساسية الدماغ العالية تجاه هذا العقار.
ويعمل الميتفورمين داخل الدماغ عبر تنشيط عصبونات تُعرف باسم SF1، وهي خلايا مسؤولة عن تنظيم عمليات الأيض، ومستويات السكر، والشهية، وتوازن الطاقة.
من السكري إلى الشيخوخة
يفتح هذا الاكتشاف الباب أمام فهم أعمق لآلية عمل الميتفورمين، وقد يمهد الطريق لتطوير علاجات جديدة لا تقتصر على ضبط سكر الدم فحسب.
فقد أشارت دراسات سابقة إلى أن الاستخدام المنتظم للدواء قد يساهم في إبطاء شيخوخة الدماغ، استناداً إلى تجارب أُجريت على نوع من القردة، كما ارتبط بتأثيرات محتملة مضادة للشيخوخة لدى البشر.
وبذلك، قد يتحول هذا الدواء التقليدي إلى عنصر محوري في أبحاث إطالة العمر الصحي، وليس فقط في علاج السكري.





