هل وجدت نفسك يوما تتنقل لساعات بين أخبار الحروب والكوارث والأزمات الاقتصادية على هاتفك، حتى وقت متأخر من الليل، قبل أن تخلد إلى النوم مثقلاً بالقلق والتوتر؟ قد لا يكون الأمر مجرد عادة سيئة في استخدام الهاتف، بل ظاهرة نفسية تُعرف باسم "التصفح المأساوي" (Doomscrolling)، وتعني الاستمرار في متابعة الأخبار والمحتوى السلبي رغم تأثيره على الحالة النفسية.
وفي مواجهة هذا النمط من الاستخدام، يتجه مستخدمون حول العالم إلى تجربة رقمية مختلفة تُعرف باسم "التصفح المبهج" (Bloomscrolling)، تقوم على البحث عن المحتوى الإيجابي بدلاً من الاستغراق في الأخبار المقلقة.
فما الذي يقف وراء هذه الظاهرة الجديدة؟ وكيف يمكن أن تغير طريقة تعاملنا مع منصات التواصل الاجتماعي؟
سيكولوجية "النكد الرقمي": الأرقام تصدم
الأرقام والبيانات الحديثة تكشف أن هذه الأزمة لم تعد مجرد حالات فردية، بل تحولت إلى نمط حياة قسري فرضته الشاشات.
وفقاً لاستطلاع رأي وطني حديث أجرته مؤسسة Hopelab المتخصصة في صحة الشباب أفاد أن 88% من الشباب يجدون أنفسهم محاصرين في فخ التصفح المأساوي والوقوع تحت رحمة الأخبار السلبية بشكل يومي، وفق تقرير صحيفة الاندبندينت.
كما أن أكثر من نصف المشاركين، 53%، يعترفون علناً بأنهم يشعرون بـ "العجز التام" تجاه حجم المحتوى المأساوي الذي يتدفق عبر تصحهم للمحتوى الإخباري.
أما المراهقون والشباب فيقضون ما متوسطه من 4 إلى 5 ساعات يومياً في التمرير العشوائي على منصات التواصل الاجتماعي، مما يجعلهم الفئة الأكثر عرضة لهذه الضغوط.
وتفسر المعالجة النفسية شيريل غروسكوف هذه الظاهرة بأنها طبيعة بشرية؛ فدماغ الإنسان يمتلك "انحيازاً غريزياً للسلبية" بمعدل يفوق استجابته للإيجابيات بمرات عدة.
ففي واقعنا الحالي، يترجم العقل خوارزميات الأخبار السيئة على أنها مخاطر وجودية يجب مراقبتها، مما يرفع هرمون الإجهاد (الكورتيزول) في أجسامنا ويجعلنا في حالة تأهب وقلق دائمين.
ما هو الـ Bloomscrolling؟
الـ Bloomscrolling، المشتق من كلمة Bloom وتعني تفتح الأزهار، هو ببساطة التدريب الواعي لعقلك وخوارزمياتك على رؤية الجانب المشرق من العالم.
فبدلاً من الاستسلام لجرعات الإحباط، يقوم المستخدم هنا بالبحث المتعمد عن محتوى يبث الطمأنينة والبهجة، مثل مقاطع فيديو لطبيعة خلابة وأصوات المطر، لحظات عفوية ومضحكة لحيوانات أليفة، قصص ملهمة عن التكافل الإنساني واللطف بين البشر، أو محتوى تعليمي خفيف ومقاطع فنية مهدئة للأعصاب.
وتشير الدراسات النفسية السلوكية إلى أن استبدال الأخبار المأساوية بمحتوى "مُزهر" لمدة 20 دقيقة فقط يومياً كفيل بخفض مستويات القلق والتوتر بنسبة ملحوظة، حيث يتحول دماغك من حالة "الدفاع والمواجهة" إلى حالة "الاسترخاء"، ويبدأ بإفراز هرمونات السعادة مثل الدوبامين والأوكسيتوسين.
كيف تحوّل "خوارزميات هاتفك" لواحة مفرحة؟
الخوارزميات ليست ذكية بمفردها، بل هي مرآة لما تمنحه وقتك واهتمامك. ويرى الخبراء أن اعتماد خطة بسيطة لتدريب الخوارزميات قادرة على تحويل الهاتف إلى مرافق لطيف.
فمثلا عندما يظهر لك مقطع مبهج أو مهدئ وتتفاعل معه بنقرة إعجاب أو حفظ أو تعليق، من شأن ذلك أن يخبر التطبيق أنك تريد المزيد منه.
كما ان استخدام زر "غير مهتم" "Not Interested" أو حظر الكلمات المفتاحية الكئيبة على منصات مثل تيك توك وإكس وإنستغرام، ناجحة في حجب المحتوى المقلق.
غير أن الأخصائية النفسية ألانين تشافيز، تؤكد أن "الجرعة الرقمية اللطيفة" لا تغني أبداً عن الواقع؛ فحتى المحتوى الإيجابي المفرط وراء الشاشات قد يعزل الإنسان عن محيطه الفعلي.
وترى أن السر الحقيقي يكمن في إغلاق الهاتف تماماً قبل النوم بساعة كاملة، واستبدال الشاشة بالمشي في الهواء الطلق، أو قراءة كتاب ورقي، أو الحديث مع شخص تحبه للابتعاد عن كل ما يقلق ويزيد من حدة التوتر.





