في 17 سبتمبر المقبل، تستضيف باريس اجتماعًا تحضيريًا لمؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بمشاركة لبنان وقادة عسكريين وممثلين عن منظمات دولية. وتعيد المبادرة الفرنسية طرح مستقبل دور باريس في لبنان، بعد علاقة تاريخية ممتدة ومحطات متلاحقة تقلّص خلالها نفوذها، خصوصًا في الملفات المرتبطة بالجنوب وإسرائيل.
فهل يشكّل مؤتمر دعم الجيش اللبناني مدخلًا لفرنسا لاستعادة دورها في لبنان، بعد عقود من محاولات الولايات المتحدة وإسرائيل تحجيم نفوذها، ولا سيما في الملفات المرتبطة بالجنوب وإسرائيل؟

"الأم الحنون"
ارتبط لبنان بفرنسا، منذ القرن الثالث عشر، بعلاقة استثنائية، بدأت مع دعم فرنسا لسكان جبل لبنان، وتعمّقت عبر القرون حتى أصبحت فرنسا تُعرف في الوجدان اللبناني بـ"الأم الحنون"، لكن هذه العلاقة، التي بلغت ذروتها في عهد الانتداب الفرنسي (1920 - 1943)، واجهت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية محاولات منهجية أميركية- إسرائيلية لإقصاء فرنسا عن الساحة اللبنانية، خصوصًا في الجنوب حيث تتقاطع الحسابات الأمنية الإسرائيلية مع النفوذ الأميركي.

جذور العلاقة الفرنسية- اللبنانية
صحيفة لوموند تشير في مقال لها منشور في 12 مارس 1998 إلى أن علاقة فرنسا بسكان جبل لبنان تعود إلى عهد الملك لويس التاسع، حين أقام تحالفًا مع أبناء الجبل. هذا التحالف أمّن له طرق الإمداد التي كان يحتاجها في حملاته، ولم يقتصر على طائفة محددة.
الامتيازات الفرنسية في العهد العثماني
العلاقات الفرنسية مع أبناء جبل لبنان توطدت إبان سيطرة السلطنة العثمانية على المنطقة ومنها جبل لبنان، واستطاعت فرنسا الحصول على امتيازات لحماية المسيحيين، بينما تعهد البريطانيون بحماية الدروز، ومنذ ذلك الحين بدأت فرنسا ببناء المدارس وإيفاد الإرساليات.
وقد استفاد لبنان من الثورة الفرنسية، التي اضطهدت الإكليروس في فرنسا فانتقل قسم كبير منهم إلى جبل لبنان حيث عملوا على تشييد المدارس والتعليم فيها.

فكّ الحصار وإنقاذ سكان جبل لبنان من المجاعة في ١٩١٥
الامتيازات الفرنسية في جبل لبنان جعلت فرنسا "الراعي السياسي" لأبناء الجبل، وهو ما مكّنها في العام ١٩١٥ من فك الحصار عن جبل لبنان الذي فرضه جمال باشا وأدخلت المساعدات بحرا، فأنقذت الآلاف من الموت، بعدما قضى نحو ربع سكان جبل لبنان في المجاعة، على ما وثّقت صحيفة لو فيغارو في تحقيقها المنشور في ٢١ أبريل ٢٠١٥، وهو ما رسّخ في ذاكرة اللبنانيين صورة فرنسا كحامية تاريخية لهم.
إعلان لبنان الكبير
في الأول من سبتمبر 1920، أعلن الجنرال هنري غورو قيام لبنان الكبير، وهو ما رفع مساحة لبنان وقتها من 3000 كم² إلى 10452 كم². هذا القرار كرّس فرنسا "الراعي المؤسس" للكيان اللبناني الحديث.
صعود النفوذ الأميركي بعد الحرب العالمية الثانية
الولايات المتحدة بدأت تدريجًا في انتزاع النفوذ الفرنسي في الشرق الأوسط، خصوصًا بعد أزمة السويس 1956، حين تراجع الدور الفرنسي- البريطاني لصالح الأميركي.
عرض أميركي لحافظ الأسد
بحسب وثائق نشرتها صحيفة واشنطن بوست في ٩ نوفمبر ١٩٩١، عرضت واشنطن على الرئيس السوري الراحل، حافظ الأسد، في العام 1973 أن يضبط السلاح الفلسطيني في لبنان.
هذا العرض كان بداية "تفويض غير معلن" لسوريا بإدارة الملف اللبناني، وهو ما أكده لاحقًا المبعوث الأميركي ريتشارد مورفي بمقابلة منشورة في نيويورك تايمز بتاريخ 17 ديسمبر ١٩٨٤.

تباين أميركي فرنسي حيال الدخول السوري إلى لبنان
فرنسا عارضت دخول الجيش السوري إلى لبنان في العام ١٩٧٦، بينما دعمت واشنطن "الحل السوري"، وهو ما أدى إلى أول شرخ كبير بين باريس وواشنطن على الملف اللبناني.
إقصاء فرنسا عقب الاجتياح الإسرائيلي في ١٩٨٢
في السادس من يونيو ١٩٨٢ اجتاحت القوات الإسرائيلية لبنان ووصلت إلى العاصمة بيروت، في عملية عُرفت بـ"حرب سلامة الجليل".
استهدف الهجوم القضاء على الوجود العسكري والسياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية وهو ما أسفر عن تغييرات جذرية في الخريطة السياسية والعسكرية في لبنان.
تهافت الموفدون الدوليون على بيروت، لكن إسرائيل لم ترغب في أن تلعب فرنسا أي دور في جنوب لبنان، وعبّر المسؤولون فيها عن رغبتهم في التعامل حصرا مع الولايات المتحدة، وهو ما أشارت إليه صحيفة هآرتس في مقال نشرته في 19 أغسطس 1982.
رغم ذلك، شاركت فرنسا في القوة المتعددة الجنسية التي أشرفت على خروج منظمة التحرير من بيروت بين ٢١ أغسطس و٣٠ منه من العام ١٩٨٢.
استبعاد فرنسا من اتفاق 17 أيار/مايو 1983
عقب الاجتياح الإسرائيلي، وانتخاب أمين الجميل رئيسا للجمهورية في العام ١٩٨٢، خلفا لشقيقه بشير الذي تم اغتياله قبل تسلمه السلطة، حصلت مفاوضات لبنانية إسرائيلية برعاية أميركية، من أجل وضع ترتيبات للانسحاب الإسرائيلي من لبنان، وتم استبعاد فرنسا منه.
انهار الاتفاق بسبب رفض سوريا وقوى لبنانية معترضة عليه، بينما اعتبرت صحيفة لوموند، في مقال نشرته في ١٤ أبريل ٢٠٢٦ أن اتفاق ١٧ أيار/مايو انهار بسبب انحياز واشنطن لإسرائيل واستبعاد فرنسا من المفاوضات وتجاهل الأمم المتحدة، وهذا الإقصاء تكرر لاحقا في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية التي تمت بين لبنان وإسرائيل والتي انتهت بتوقيع اتفاق الترسيم في ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٢.

عملية "عناقيد الغضب"
دخل وزير الخارجية الفرنسي هيرفيه دو شاريت في مفاوضات وقف إطلاق النار، بعد عملية "عناقيد الغضب" لكن الولايات المتحدة، كما يروي الوزير الفرنسي في مذكراته رفضت في البداية إشراك فرنسا واعتبرت باريس غير محايدة، ولم تتقبل إسرائيل الدور الفرنسي إلا بعدما قصفت طائرة إسرائيلية مركزا لقوات يونيفيل في قانا ذهب ضحيته عشرات القتلى والجرحى من المدنيين.
استنكرت فرنسا سقوط أعداد كبيرة من المدنيين داخل مركز أممي، وهو ما أزعج إسرائيل. ووصفت صحيفة يديعوت أحرونوت الموقف الفرنسي بأنه تدخل غير مرغوب فيه في الحسابات الأمنية الإسرائيلية، في مقالها المنشور في ٢٢ أبريل ١٩٩٦.
نجحت فرنسا في نهاية المطاف بالتعاون مع أطراف دولية وإقليمية في التوصل إلى ما عُرف بـ"تفاهم نيسان" الذي نص على تحييد المدنيين من الجانبين ووقف القتال.
إقصاء فرنسا عن ترتيبات ما بعد الانسحاب الإسرائيلي في العام ٢٠٠٠
بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في مايو من العام 2000، حاولت فرنسا لعب دور في ترتيبات الحدود، لكن الولايات المتحدة احتكرت الملف بالكامل عبر الأمم المتحدة، ورفضت أي مبادرة فرنسية مستقلة.
وصفت صحيفة لوموند وفي مقال رأي لها نشرته في ٣ يونيو ٢٠٠٠ ذلك بأنه "إعادة هندسة للنفوذ في لبنان".

حرب تموز/يوليو ٢٠٠٦.. القرار ١٧٠١
رغم أن فرنسا كانت من مهندسي القرار ١٧٠١، الذي أنهى حرب تموز/يوليو ٢٠٠٦، ضغطت إسرائيل والولايات المتحدة لمنع باريس من فرض شروط اتفاق على وقف إطلاق النار أو على انتشار اليونيفيل.
اعتبرت صحيفة لوموند في مقال نشرته في ٢٦ يوليو ٢٠٠٦ أن إسرائيل "تريد قوة دولية أكثر مرونة وأقل فرنسية".
واشنطن وإسرائيل دفعتا في اتجاه توسيع المشاركة الأوروبية لتخفيف تأثير فرنسا داخل القوة الدولية.
مفاوضات الترسيم البحري (2020–2022)
رغم أن شركة "توتال" الفرنسية كانت طرفًا أساسًا في ملف الغاز، أصرت واشنطن على أن تكون الوسيط الوحيد بين لبنان وإسرائيل، وأبعدت باريس عن أي دور سياسي في المفاوضات.
ونشرت صحيفة نيويورك تايمز في ١٢ نوفمبر ٢٠٢١ تقريرًا وصفت ذلك بأنه "احتكار أميركي للملف".
إجهاض مبادرة ماكرون بعد انفجار المرفأ (2020)
بعد وقوع انفجار في مرفأ بيروت في 4 أغسطس 2020، أطلق الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، مبادرة سياسية لإنقاذ لبنان، تضمنت: تشكيل حكومة اختصاصيين، إصلاحات مالية، إعادة هيكلة القطاع المصرفي.
بحسب الصحف الفرنسية ومنها لو فيغارو في ٢٢ نوفمبر ٢٠٢٠ اعتبرت أن "الولايات المتحدة لم تدعم المبادرة لأنها تمنح فرنسا نفوذًا زائدًا" في لبنان.
اعتبرت إسرائيل أن المبادرة "تُضعف الضغط على حزب الله".
وبالنتيجة تم إجهاض المبادرة رغم الزخم الذي اكتسبته في البداية، بعد زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لبيروت في السادس من أغسطس ٢٠٢٠.

استبعاد فرنسا من بعض اجتماعات الميكانزيم
تشكلت لجنة الميكانزيم في ٢٧ نوفمبر ٢٠٢٤ عقب التوصل إلى اتفاق إلى وقف الأعمال القتالية بين الطرفين. رأست اللجنة الولايات المتحدة وتضم فرنسا كشريك دولي راع للاتفاق وعضو في اجتماعات المراقبة ويتمثل لبنان بوفد من ضباط الجيش إلى جانب السفير الأسبق سيمون كرم. كذلك تضم اللجنة إسرائيل وقوات اليونيفيل.
طالبت إسرائيل بفرز أو تحجيم الدور الفرنسي داخل اللجنة واشترطت عدم مشاركة فرنسا في بعض الجلسات خصوصا التي تطرقت إلى ملفات حساسة أو تواصل مباشر، وهددت بالانسحاب في حال حضور الدبلوماسيين الفرنسيين.
تم استبعاد فرنسا فعلياً من بعض الاجتماعات المباشرة التي عُقدت بين الأطراف، واقتصر الحضور على الجانبين الأميركي واللبناني والإسرائيلي برعاية أممية.
لماذا مؤتمر دعم الجيش اللبناني في باريس؟
فرنسا دعت إلى مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني في سبتمبر المقبل، بعد تراجع الدعم للمؤسسة العسكرية. بحسب مقال رأي نشرته لوموند في ٧ يوليو الفائت، المؤتمر يُعتبر خطوة فرنسية لإعادة تثبيت نفوذها في لبنان بعد استبعادها من مفاوضات الجنوب. باريس تريد أن تقول إنها "لا تزال اللاعب الدولي الأكثر التزامًا باستقرار لبنان"، رغم كل شيء. دعم الجيش قد يكون "المدخل الوحيد المتبقي حاليا" لفرنسا بعد تراجع نفوذها السياسي.
وتسلّم رئيس الجمهورية اللبنانية، جوزيف عون، الأربعاء، دعوة من نظيره الفرنسي، إيمانويل ماكرون، للمشاركة في اجتماع تستضيفه باريس الشهر المقبل تحضيرا لمؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني، وفق ما أعلنت الرئاسة.
وأعلنت الرئاسة اللبنانية أن عون تسلّم من القائم بالأعمال الفرنسي في لبنان برونو بيريرا دا سيلفا "رسالة خطية من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تضمنت دعوة لمشاركة لبنان في الاجتماع التحضيري للمؤتمر الدولي لدعم القوات المسلحة اللبنانية وقوى الأمن الداخلي الذي سيعقد في باريس في 17 سبتمبر المقبل".





