احتفظت مومياوات أطفال الإنكا بأسرار لم تكشفها القبور وحدها. فبعد نحو خمسة قرون على تقديمهم قرابين فوق جبال الأنديز، أظهر تحليل الشعر والأظافر أنهم تناولوا مواد مؤثرة في الوعي قبل موتهم، بينها أوراق الكوكا والكحول، مع دليل محتمل على استخدام نبات يدخل في تحضير مشروب "آياهواسكا".
وتناولت دراسة نُشرت في دورية "أنتيكويتي"، الثلاثاء، عينات من ثماني مومياوات عُثر عليها قرب قمم بركانية في بيرو والأرجنتين، لفهم الاستعدادات التي سبقت طقس التضحية المعروف باسم "كاباكوتشا".
ما الذي كشفه الشعر؟
وجد الباحثون آثار الكوكايين وناتج تحلله في جميع عينات الشعر، بما يتوافق مع تناول أوراق الكوكا. والمقصود هنا استخدام النبات الذي يحتوي طبيعياً على المادة، وليس الكوكايين المصنّع بصورته الحديثة.
ولم يكن الاستهلاك متشابهاً؛ إذ أظهرت إحدى الحالات ارتفاعاً كبيراً خلال الشهر الأخير قبل الوفاة، بينما أشارت حالات أخرى إلى تناوله على امتداد فترة أطول من التحضير.
ورجّح الباحثون أن أوراق الكوكا أدّت دوراً دينياً، وربما ساعدت أيضاً على تخفيف التعب وأعراض الارتفاع خلال رحلات شاقة إلى مواقع يتجاوز بعضها ستة آلاف متر.
الكحول ونبات الآياهواسكا
وأشارت النتائج إلى تناول الكحول لدى بعض الضحايا. ويرى الباحثون أنه ربما استُخدم لتهدئتهم وتقليل استجابتهم خلال المراحل الأخيرة من الطقس، لكن التحليل لا يحسم وحده الغرض من تناوله.
أما المومياء المعروفة باسم "خوانيتا"، أو "سيدة أمباتو"، فكشفت أظافرها عن مادة "الهارمين"، المرتبطة بنبات يُستخدم تقليدياً في تحضير الآياهواسكا.
وأشار ذلك إلى احتمال تناول مستحضر يحتوي هذه المادة، لكنه لا يثبت شرب الآياهواسكا بتركيبته المعروفة.
لماذا اختير الأطفال؟
ترتبط هذه النتائج بمعتقدات اعتبرت الأطفال المختارين رمزاً للنقاء، ووسطاء بين البشر وآلهة الجبال. وكانت طقوس التضحية تُقام لأسباب متعددة، بينها مناسبات تخص الحاكم، وطلب الحماية من الكوارث ووفرة المحاصيل.
وكان بعض الأطفال يُنقلون إلى كوسكو، المركز السياسي والديني للإمبراطورية، للمشاركة في مراسم تسبق رحلتهم إلى المزارات البعيدة. ودُفن بعضهم مع ملابس فاخرة وأوانٍ وتماثيل صغيرة من الذهب والفضة والأصداف، تكشف أهمية المكانة التي أُحيطوا بها.
طقس واحد بتفاصيل مختلفة
وأوضحت النتائج أن "كاباكوتشا" لم تُنفّذ بطريقة موحدة في أنحاء الإمبراطورية؛ فقد اختلفت المواد المستخدمة وتوقيت تناولها، وربما ارتبط ذلك بتقاليد كل موقع ومعتقداته المحلية.
وساعد البرد والجفاف على حفظ الأجساد، بينما احتفظ الكيراتين في الشعر والأظافر بآثار كيميائية أتاحت للعلماء تتبّع جانب من حياة الضحايا.
ومع ذلك، تبقى تفاصيل مهمة مفتوحة، خصوصاً أسباب اختيار مواد بعينها وكيفية استخدامها في كل حالة، وحدود ما يمكن استنتاجه منها عن اللحظات الأخيرة للأطفال قبل وفاتهم.





