في تطور يفتح أمام دمشق مصدراً متنامياً للإيرادات، ويعيد توظيف موقعها الجغرافي بوصفه حلقة وصل بين الخليج وأوروبا، بدأت سوريا استعادة موقعها على خريطة الطيران الإقليمي، بعدما سجل الممر الجوي الجديد L602 أكثر من 2000 رحلة عابرة خلال المرحلة الأولى من تشغيله.

فقد كشفت وكالة الأنباء السورية "سانا"، أن الممر الجوي الممتد فوق شرق سوريا قرب دير الزور سجل 2188 حركة عبور حتى مساء 18 سبتمبر، بعد أشهر من الدراسات الفنية والتنسيق مع الدول المجاورة والمنظمات الدولية المعنية بالطيران.

وأوضحت أن تشغيل الممر أتى ضمن مشروع أوسع لإعادة هيكلة المجال الجوي السوري، في وقت دفعت فيه الاضطرابات العسكرية في المنطقة شركات الطيران إلى البحث عن مسارات بديلة تقلص زمن الرحلات واستهلاك الوقود.

لكن عودة الطائرات إلى السماء السورية تطرح سؤالاً اقتصادياً يتجاوز عدد الرحلات، ويصب في المبالغ التي يمكن أن تربحها دمشق من رسوم العبور، وفيما إذا كانت تستطيع تحويل هذا النشاط إلى مصدر دخل مستدام.

مليون دولار من ممر واحد

تفرض سوريا رسماً موحداً يبلغ 499 دولاراً على الطائرة التي تعبر مجالها الجوي من دون الهبوط، وفق وثيقة للهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي اطلعت عليها وكالة "رويترز".

ويتوزع المبلغ بين 430 دولاراً رسوماً للعبور و69 دولاراً لخدمات الاتصالات، بصرف النظر عن نوع الطائرة أو حجمها، مع وجود إعفاءات وتخفيضات لبعض فئات الرحلات.

وباحتساب هذا الرسم على 2188 رحلة سجلها الممر L602، تصل العائدات النظرية إلى نحو 1.09 مليون دولار.

كما لا يقتصر النمو على الممر الجديد، إذ تظهر البيانات الرسمية ارتفاعاً واسعاً في حركة الطيران عبر الأجواء السورية خلال الأشهر الماضية، حيث سجلت الهيئة العامة للطيران المدني 4267 رحلة عابرة في فبراير، قبل أن يرتفع العدد إلى 11,801 رحلة خلال مايو، بزيادة تقارب 177% خلال 3 أشهر.

وبحسب وكالة رويترز، جاءت القفزة بعدما اضطرت شركات طيران إقليمية إلى تعديل مساراتها عقب اندلاع الحرب مع إيران في فبراير، وما تبعها من إغلاقات واضطرابات في الأجواء العراقية والخليجية.

ومع إعادة توجيه الرحلات، أصبح المجال الجوي السوري بديلاً لبعض الخطوط التي كانت تستخدم الأجواء العراقية، ولا سيما الرحلات المتجهة من دبي والدوحة إلى أوروبا.

كما استمر النمو خلال الأشهر اللاحقة، إذ أعلنت "سانا" في الخامس من أكتوبر أن عدد الطائرات التي عبرت الأجواء السورية خلال سبتمبر بلغ 19,951 طائرة، في مؤشر على اتساع حركة العبور مقارنة بالأشهر الأولى من العام.

وبتطبيق رسم 499 دولاراً على هذا العدد، تصل الإيرادات النظرية لشهر سبتمبر وحده إلى نحو 9.96 ملايين دولار، مقارنة بنحو 5.89 ملايين دولار في مايو.

ويعني ذلك أن استمرار الحركة عند مستويات سبتمبر، مع تحصيل الرسم الكامل على جميع الرحلات، قد يولد عائدات سنوية نظرية تقارب 120 مليون دولار.

لماذا عادت شركات الطيران إلى سوريا؟

يرتبط الإقبال المتزايد على المجال الجوي السوري بعاملين رئيسيين: الموقع الجغرافي وتغير خريطة المخاطر في المنطقة، إذ أوضح رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي، عمر الحصري، أن الممر L602 يوفر مسارات أكثر مباشرة وكفاءة بين الخليج وأوروبا، ويسهم في تحسين انسيابية الحركة الجوية.

وبالنسبة إلى شركات الطيران، فإن اختصار المسافة يعني تقليل استهلاك الوقود وخفض التكاليف التشغيلية، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب المسارات التقليدية.

لكن الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل حذر من اعتبار تسجيل 2188 رحلة دليلاً كافياً على تحول دائم، موضحاً أن شركات الطيران لا تختار مساراتها استناداً إلى المسافة وحدها، بل تضع السلامة ورسوم العبور والازدحام والظروف الجوية وإمكانية تغيير المسار عند الطوارئ ضمن حساباتها.

أيضا يتزامن ارتفاع حركة العبور مع خطوات لتحديث البنية التحتية للطيران السوري، شملت استكمال معايرة واختبار منظومات الملاحة الجوية الحديثة في مطاري دمشق وحلب الدوليين في 24 سبتمبر.

Image 1

وتضمنت الأعمال تجهيزات للهبوط الآلي وقياس المسافات والملاحة الراديوية، بما يعزز قدرة المطارين على استقبال الرحلات ليلاً وفي ظروف انخفاض الرؤية.

هل تستعيد سوريا ثقة شركات الطيران الدولية؟

رغم النمو المسجل، لا تزال اعتبارات السلامة تشكل تحدياً أمام استعادة سوريا موقعها الكامل في شبكة الطيران العالمية، حيث ذكرت "رويترز" أن المجال الجوي السوري ظل مصنفاً ضمن المناطق عالية المخاطر لدى جهات متخصصة في مراقبة سلامة الطيران، فيما واصلت شركات دولية تجنب التحليق فوقه.

لكن رئيس هيئة الطيران المدني عمر الحصري أعلن، في العاشر من أكتوبر، أن تحديثاً أوروبياً جديداً أظهر انخفاضاً في تقييم المخاطر على بعض الرحلات العابرة على ارتفاعات عالية، وإمكانية استخدام أجزاء محددة من الأجواء السورية وفق ضوابط فنية.

ولا يعني ذلك رفع جميع القيود أو السماح لجميع شركات الطيران الأوروبية بالعودة، لكنه يمثل تطوراً قد يساعد على توسيع الحركة إذا استمر تحسن تقييمات السلامة.

كذلك لا تنحصر المكاسب الاقتصادية المحتملة في الأموال التي تدفعها الطائرات مقابل استخدام المجال الجوي، فزيادة الحركة قد تدعم الاستثمار في خدمات الملاحة والمراقبة الجوية والصيانة والخدمات اللوجستية، كما يمكن أن تشجع على تطوير المطارات واستقطاب شركات جديدة.

وأعلنت الهيئة العامة للطيران المدني، في نهاية سبتمبر، بدء استقبال طلبات من شركات طيران آسيوية لاستخدام الأجواء السورية، بالتوازي مع تنامي الطلب من الناقلات الخليجية والإقليمية.

لكن استمرار هذه المكاسب يتطلب الحفاظ على كفاءة الخدمات الجوية، وتحديث أنظمة المراقبة، والتنسيق مع الدول المجاورة، وتقديم رسوم تنافسية تضمن بقاء سوريا خياراً مناسباً حتى بعد استقرار الأوضاع الإقليمية.

Image 1

هيكلة المجال الجوي

يذكر أن المرحلة الثانية من مشروع إعادة هيكلة المجال الجوي كانت بدأت في 28 سبتمبر، بمشاركة منظمة الطيران المدني الدولي "ICAO" والمنظمة الأوروبية لسلامة الملاحة الجوية "EUROCONTROL"، إلى جانب دول إقليمية.

ويهدف المشروع إلى تطوير شبكة الطرق الجوية ورفع كفاءة إدارة الحركة، بما يتيح لسوريا استيعاب أعداد أكبر من الطائرات العابرة، ما ينذر بإمكانية عودة الأجواء السورية تدريجياً إلى خريطة الملاحة الإقليمية، بعدما أبعدتها سنوات الحرب عن المسارات التي تعتمد عليها شركات الطيران الدولية.