لم تعد حرائق أوروبا أزمة غابات بعيدة عن المدن. ففي فرنسا، اقتربت النيران من تجمع بوردو الحضري وولّدت عواصف رعدية خاصة بها، فيما تسابق فرنسا وإسبانيا والبرتغال موجة حرّ جديدة قد تعيد تأجيج بؤر أتت على مساحات واسعة وأجبرت عشرات الآلاف على الفرار.

وتكشف تقارير أنّ الحرائق تطرح تحديا يتجاوز حدود أوروبا، نيران قادرة على صنع طقسها، واختراق المناطق السكنية، وإرهاق أنظمة الطوارئ، في ظلّ ارتفاع متسارع لدرجات الحرارة.

Image 1

حين تصنع الحرائق عواصفها

شهدت حرائق جنوب غربي فرنسا عاصفتين رعديتين ناريتين على الأقلّ، في ظاهرة وصفتها السلطات الفرنسية بأنّها غير مسبوقة في البلاد، بحسب فايننشال تايمز.

وتتشكّل هذه العواصف عندما تصبح النيران شديدة بما يكفي لتكوين سحب رعدية خاصة بها، مصحوبة برياح قد تتجاوز 160 كيلومترا في الساعة وصواعق يمكن أن تشعل بؤرا جديدة. وأدّت العاصفة الثانية بالفعل إلى إشعال حريق شمال بوردو.

وقال المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى للصحيفة إنّه لا يستطيع الجزم بأنها أولى الحالات الموثقة في فرنسا. لكن هذه الظاهرة، المسجلة سابقا في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا، قد تصل إلى ارتفاعات مماثلة لثوران بركاني متوسط، ويمكنها مساعدة النيران على اجتياز الأنهار والطرق والحواجز المضادة للحرائق.

Image 1

هل تحمي الخرسانة المدن؟

بحسب لوفيغارو، اقترب حريق ساوموس من بلدات تقع على بعد 15 كيلومترا من تجمع بوردو الحضري، بعدما اجتاح نحو 42 ألف هكتار في جيروند.

ولا تدخل الحرائق المدن بالضرورة على هيئة جدار من اللهب. فقد أوضح خبراء للصحيفة أنّ الجمر المتطاير يمكن أن يسبق جبهة النار بكيلومتر أو كيلومترين، ويتجمع في المزاريب أو يتسللّ عبر النوافذ ليشعل المباني من الداخل.

كما تستطيع الحرارة الإشعاعية تحطيم زجاج النوافذ وإشعال السيارات والمظلّات، ما يحوّل كلّ منزل إلى بؤرة جديدة. واستشهدت الصحيفة بحرائق لوس أنجلوس في يناير 2025، التي دمّرت أكثر من 16 ألف مبنى، وحريق شمال مرسيليا في يوليو 2025، الذي أضرّ بما لا يقل عن 90 منزلا.

ومع ذلك، يتركّز الخطر الحالي، وفق لوفيغارو، على البلدات ذات المنازل المنفصلة الواقعة بين الغابات وقلب بوردو، إذ تتوقف النيران عادة عندما لا تجد وقودا متصلا يسمح بانتشارها.

Image 1

سباق قبل موجة حرّ جديدة

ذكرت فرانس برس أنّ الحرائق حول بوردو دمّرت 240 منزلا وأدّت إلى إجلاء 220 ألف شخص، فيما استلزمت حرائق مدريد وأفيلا 60 ألف عملية إجلاء على الأقلّ وأتت على نحو 75 ألف هكتار.

وفي فالنسيا، قضى شخص واحترق أكثر من 7 آلاف هكتار، بينما استنفرت البرتغال أكثر من ألف إطفائي ونحو 20 طائرة ومروحية، بحسب الوكالة.

وحذّرت فرانس برس من حرارة قد تبلغ 40 درجة في فرنسا و42 درجة في شمال شرقي إسبانيا. وأفادت رويترز بأن فرنسا تواجه رابع موجة حرّ كبيرة خلال 2026، رغم احتواء حريق بوردو ليلا، مع بقاء خطر تجدد الاشتعال بسبب الرياح والجفاف.

Image 1

نظام الإطفاء تحت الضغط

قالت لوفيغارو إن أكثر من 44 ألف إطفائي محترف ونحو 201 ألف متطوع يعملون ضمن نظام يعاني نقص الكوادر وإرهاق الفرق، بعدما نفذّ رجال الإطفاء 4.89 ملايين تدخل عام 2025.

ووفقا لفرانس برس، حشدت فرنسا 2750 إطفائيا و1500 عسكري و1440 عنصرا أمنيا و18 وسيلة جوية، فيما أُصيب 88 إطفائيا منذ الأربعاء.

وأفادت فايننشال تايمز بأنّ حرارة أوروبا ارتفعت بنحو 0.56 درجة مئوية كل عقد منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، بأكثر من ضعف المتوسط العالمي، بينما حذّر العلماء من أنّ الطقس الأكثر حرارة وجفافا يرفع أخطار الحرائق ويجعل إدارتها وإجلاء السكان وضمان المياه تحدّيا يتجاوز الحدود الوطنية.