لم تبقَ كارثة السيول التي اجتاحت وادي نهر تريشولي في نيبال محصورة بين الجبال والقرى المنكوبة؛ ففي غضون دقائق، تحولت المنطقة الواقعة على أحد أشهر مسارات الحج والسياحة في جبال الهيمالايا إلى مركز لعملية بحث دولية عن مئات المفقودين من أكثر من عشرين دولة.
وتنتظر عائلات في الولايات المتحدة والهند وكندا وأستراليا وبريطانيا وغيرها أي خبر عن أقارب انقطع الاتصال بهم منذ أن اندفعت المياه والطين عبر الممرات الجبلية، الأربعاء، بحسب تقرير لشبكة "سي إن إن".
ومن بين المفقودين طبيب أميركي وأم نيوزيلندية وثلاثة مراهقين من الولايات المتحدة وأستراليا، إلى جانب حجاج وسياح وعاملين في مشروعات للطاقة الكهرومائية.
ووفق الشرطة النيبالية، أودت الكارثة بحياة 389 شخصا على الأقل، من دون تحديد عدد الأجانب بينهم، فيما لا تزال فرق الإنقاذ تحاول الوصول إلى مناطق عزلتها المياه وقطعت عنها الطرق والاتصالات.
عشر دقائق بين الانتظار والاختفاء
كان الزوجان أوداي وكريبا شيفامورثي، المقيمان في سيدني، عائدين من رحلة حج استمرت ثلاثة أسابيع إلى جبل كايلاش المقدس، وهي رحلة اعتادا القيام بها كل عدة سنوات.
وعند الساعة 9:05 صباحا، كانا ينتظران عبور نقطة الهجرة من الصين إلى نيبال. وبعد عشر دقائق فقط، اجتاحت الكارثة المنطقة وانقطع أثرهما مع مئات آخرين.
وقالت ابنة أخيهما إن العائلة تلقت تقارير متضاربة بشأن مصيرهما، قبل أن تكشف الصور الجوية حجم الدمار الذي أصاب المنطقة الحدودية.

مفقودون من أكثر من 20 دولة
أعلن مجلس السياحة النيبالي أن 517 أجنبيا على الأقل لا يزالون في عداد المفقودين داخل البلاد. وتشمل القائمة 178 هنديا و90 أميركيا و56 أوكرانيا و55 ماليزيا و39 أستراليا و33 بريطانيا، إضافة إلى 30 مواطنا ومقيما دائما في كندا.
وبحسب المجلس، ينتمي المفقودون إلى أكثر من عشرين دولة، وكان عدد كبير منهم في طريقه إلى جبل كايلاش في التبت أو عائدا منه.
ويستقطب الجبل كل صيف مئات الحجاج الهندوس والبوذيين والجاينيين وأتباع ديانة البون، ويعبر كثير منهم المنطقة الحدودية بين نيبال والصين للوصول إليه.
أما على الجانب الصيني، فقد أفادت وسائل إعلام رسمية بأن 260 أجنبيا على الأقل كانوا من بين 558 مفقودا، بعدما ضرب انهيار طيني ميناء غيرونغ، أحد المعابر البرية الرئيسية بين الصين ونيبال.
ومن بين المفقودين أيضا فتاة أميركية تبلغ 14 عاما وفتَيان أستراليان يبلغان 12 و14 عاما، كانوا ضمن مجموعة سياحية انقطع أثرها بعد السيول.

الطريق المقدس يتحول إلى مسرح للكارثة
تشتهر المنطقة المنكوبة بالسياحة والرحلات الجبلية والتجديف، لكنها تمثل أيضا ممرا رئيسيا للحجاج المتجهين نحو عدد من المواقع المقدسة في جبال الهيمالايا.
وكان توقيت الكارثة سببا في اتساع قائمة المفقودين الأجانب، إذ تتزامن أشهر الصيف وبداية الخريف مع ارتفاع أعداد السياح والحجاج الذين يعبرون المنطقة.
كما تضم المناطق المتضررة مشروعات للطاقة الكهرومائية تمولها جهات أجنبية. وكان تسعة كوريين جنوبيين فُقدوا بعد الكارثة ضمن عمال أُرسلوا إلى نيبال للعمل في محطة كهرومائية قيد الإنشاء، وفق مسؤولين كوريين.

قرى فقيرة في مواجهة كارثة جديدة
وراء الأرقام الدولية، تلقت المجتمعات المقيمة على ضفاف نهر تريشولي الضربة الأشد. ويمر النهر عبر مقاطعات راسوا ونواكوت ودادينغ، التي يسكنها أكثر من نصف مليون شخص، بينهم أفراد من جماعات تامانغ وغورونغ ونيوار التي تعيش في المنطقة منذ قرون.
ويعتمد كثير من السكان على الزراعة، فيما انتقل آخرون إلى العمل في السياحة مع ازدياد الإقبال على الرحلات الجبلية والتجديف والسياحة الدينية.
لكن هذه المجتمعات كانت شديدة الهشاشة أمام الكوارث حتى قبل وصول السيول. فمقاطعات مثل راسوا تعاني معدلات فقر مرتفعة، كما تواجه أخطار الانهيارات الأرضية وحرائق الغابات والظواهر المناخية المتطرفة.
وكان مئات السكان قد أعادوا بناء حياتهم بعد زلزال نيبال المدمر عام 2015، الذي أودى بحياة أكثر من ثمانية آلاف شخص. وبعدما فقدت عائلات كثيرة منازلها، استقرت في الأراضي المنخفضة على ضفاف تريشولي، لتجد نفسها بعد 11 عاما في مواجهة كارثة جديدة.

صور المفقودين تعبر الحدود
امتد القلق إلى أكثر من 2.1 مليون نيبالي يعيشون خارج البلاد، بعدما تعذر الاتصال بمناطق كاملة نتيجة انهيار الطرق وانقطاع شبكات الاتصالات.
وتحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى سجل مفتوح لصور المفقودين ونداءات أسرهم، فيما يبحث أفراد الجالية النيبالية في الخارج عن أي معلومة تصل من القرى المنكوبة.
وبينما تتواصل عمليات الإنقاذ، لم تنشر السلطات حتى الآن قوائم كاملة بأسماء القتلى والمفقودين، لتبقى مئات العائلات داخل نيبال وخارجها معلقة بين انتظار خبر يبدد مخاوفها وأمل يتضاءل مع مرور الوقت.





