لم يعد السؤال المطروح أمام العالم ما إذا كانت حرارة الأرض ستتجاوز الحد الذي حاولت الدول حمايته طوال سنوات، بل إلى أي مدى سترتفع، وكم سيستغرق التراجع عنها.
فقد حذّر تقرير أممي جديد، الأربعاء، من أن السياسات المناخية الحالية تدفع الكوكب نحو ارتفاع حرارته بمقدار 2.8 درجة مئوية بحلول نهاية القرن، في مسار يتجاوز أهداف اتفاق باريس للمناخ.
وكشف تقرير "فجوة الانبعاثات 2026"، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أن الالتزامات الحكومية لا تزال بعيدة عن التخفيضات المطلوبة، رغم التوسع في الطاقة المتجددة وتقدم بعض الدول في الحد من الانبعاثات.
حتى السيناريو الأفضل لم يعد كافياً
ووفق التقرير، فإن أكثر السيناريوهات تفاؤلاً بات يفترض تجاوز متوسط حرارة الأرض مستوى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، ليبلغ ما بين 1.7 و1.8 درجة بحلول منتصف القرن.
ويعني ذلك أن الهدف الأكثر طموحاً لاتفاق باريس، والمتمثل في حصر الاحترار عند 1.5 درجة، لم يعد واقعياً من دون تجاوز مؤقت لهذا الحد.

لكن العلماء يشددون على أن تجاوز العتبة لا يعني استحالة الحد من الأضرار، إذ إن كل جزء إضافي من الدرجة المئوية يزيد مخاطر موجات الحر الشديد والجفاف والفيضانات وارتفاع مستويات البحار.
كما طرح التقرير مساراً قد يسمح بخفض الاحترار مجدداً إلى 1.5 درجة بحلول عام 2100، باحتمال نجاح يقارب 50%، شرط إجراء تخفيضات حادة في الانبعاثات وتوسيع تقنيات إزالة ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي.
أرقام تكشف حجم الفجوة
وأشارت التقديرات الأممية إلى أن العالم يحتاج إلى خفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 18% بحلول عام 2030، و45% بحلول 2035، و69% بحلول 2040، مقارنة بمستويات عام 2025، لتحقيق المسار الذي يحد من تجاوز عتبة 1.5 درجة.
في المقابل، لا تستهدف الخطط الوطنية الحالية سوى خفض الانبعاثات بنحو 5 إلى 8% بحلول 2030.
أما في حال تنفيذ التعهدات المناخية بالكامل، فيُتوقع أن ترتفع حرارة الأرض بنحو 2.6 درجة بحلول نهاية القرن، مقارنة بـ2.8 درجة إذا استمرت السياسات الحالية.
وكشفت هذه الأرقام أن الفجوة لا تتعلق بغياب التعهدات فحسب، بل بعدم تحويلها إلى إجراءات سريعة وكافية على الأرض.

إلى ذلك، سلّط التقرير الضوء على تأثير السياسات الأميركية، بعدما ساهم انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس وزيادة الاعتماد على الوقود الأحفوري في رفع التوقعات الخاصة بالاحترار العالمي مقارنة بتقديرات العام الماضي.
وبحسب وكالة أسوشيتد برس، شكّلت الولايات المتحدة نحو 70% من الزيادة العالمية في الانبعاثات خلال عام 2025، وسط ارتفاع الطلب على الكهرباء وعودة استخدام الفحم.
كما عكس ذلك حجم التأثير الذي يمكن أن تحدثه سياسات الدول الكبرى، خصوصاً أن قرارات الطاقة لا تنعكس على الانبعاثات المحلية فقط، بل على قدرة العالم بأكمله على تحقيق أهدافه المناخية.
ماذا تعني درجتان أو ثلاث للبشر؟
يذكر أن زيادة متوسط حرارة الكوكب لا تعني أن درجات الحرارة سترتفع بالمقدار نفسه في كل مدينة، بل إن الاحترار العالمي يضاعف احتمالات الظواهر المناخية المتطرفة ويزيد شدتها.

وتحذر الدراسات من أن زيادة إضافية قدرها عُشر درجة مئوية قد تعرّض نحو 140 مليون شخص آخرين للحرارة الشديدة، فضلاً عن التأثير في المحاصيل الزراعية والموارد المائية وصحة السكان والاقتصادات.
كما تتفاوت هذه المخاطر بين المناطق، لكن الدول الأكثر هشاشة، والأقل قدرة على تمويل أنظمة التكيف والحماية، قد تتحمل أضراراً أكبر رغم مساهمتها المحدودة في الانبعاثات التاريخية.





