من مقاول إلى "مصلّح" نقود.. مهنة جديدة تولد من حصار غزة
تحوّل العثور على نقود صالحة للتداول إلى تحد يومي في قطاع غزة بسبب الصراع المستمر والحصار الذي تفرضه إسرائيل، وفقا لتقرير نشرته صحيفة
فاينانشال تايمز. الأموال المتداولة في القطاع بالية لدرجة أن كثيرا من الباعة يرفضون قبولها، ما دفع السكان للبحث عن حلول "ترقيعية".
مع شح السيولة النقدية، برزت مهنة جديدة في القطاع: مصلّحو النقود، وهم أفراد باتوا يتقنون فن تنظيف العملات المعدنية من الصدأ وترميم الأوراق النقدية الممزقة لتعود صالحة للاستخدام في السوق المحلية.
أحد هؤلاء هو محمد عطية، الذي اضطر إلى ترك مهنته كمقاول بناء بعدما توقفت المشاريع، ووجد نفسه يخترع مهنة لا تحتاج إلا إلى إبرة، وبعض الكلور، والغراء "السحري".
نقود بالية ومهنة غير متوقعة
في زقاق ضيّق بأحد أحياء بيت لاهيا بقطاع غزة المحاصرة، حيث يكافح الناس لإيجاد قوت يومهم في ظل حصار خانق وحرب لا تهدأ، يجلس محمد على طاولة خشبية صغيرة، منهمكا في مهمة جديدة لم تخطر على باله من قبل وهي إصلاح النقود.

يرفض التجار بقطاع غزة الأوراق النقدية الممزقة (Getty Images)
يضع ورقة نقدية ممزقة فوق منشفة، يمرر عليها مادة شفافة بدقة، ثم يضغطها بحذر تحت كتاب ثقيل.
ولم يعد بناء المنازل مجديا في غزة وسط الدمار الذي يمتد يوما بعد يوم، لكن إنقاذ ورقة نقدية مهترئة بات عملا مطلوبا، بل حاجة ملحّة في اقتصاد يعاني من الشلل ومن نقص في السيولة.
تقنيات محلية لإصلاح المال
يقول محمد إنه بدأ هذه المهنة من باب الحاجة، بعد أن رفض التجار في منطقته قبول مبلغ 200 دولار كانت بحوزته بسبب تمزقها واتساخها.
لم يجد حلا سوى غمس الأوراق في الكلور، ثم غسلها بالماء وتجفيفها، إلى أن بدت نظيفة بشكل معقول. أما القطع النقدية المعدنية، فكان ينظفها بقطرات من حمض النيتريك لإزالة الصدأ العنيد.
كانت سلطة النقد الفلسطينية، التي تعمل كالبنك المركزي في غزة والضفة الغربية المحتلة، تزود البنوك بانتظام بالودائع وتستبدل العملات البالية بأخرى جديدة. لكن منذ 7 أكتوبر 2023، لم تستجب إسرائيل لطلبات السلطة بجلب السيولة إلى غزة، حسب فاينانشال تايمز.

تقنيات محلية لإصلاح المال (Getty Images)
ومع الدمار الواسع، أُغلقت معظم فروع البنوك في غزة، إمّا نتيجة استهدافها بالغارات الجوية الإسرائيلية، أو خشية التعرض للسرقة. وتشير تقارير إلى أن مبالغ تتراوح بين 70 و100 مليون دولار قد تم نهبها من بنك فلسطين، في عمليات نُسبت إلى كل من
حركة حماس والجيش الإسرائيلي.
لكن أصعب جزء، كما يروي محمد، هو إصلاح الأوراق الممزقة. يستخدم إبرة صغيرة لنشر مادة لاصقة شفافة على الشقوق بحذر شديد حتى لا تُلاحظ.
ويشرح أنه "إذا لاحظ التاجر وجود غراء على الورقة، سيرفضها فورا". ثم يضيف بفخر: "لكن عندي نوع من الغراء كالسحر، عندما ترى الورقة، لن تصدق أنها كانت ممزقة".
في الوقت نفسه، تحاول السلطات في غزة احتواء أزمة السيولة، وقد أطلقت خلال الهدنة حملة لضبط العمولات المبالغ فيها على تحويلات الأموال، متوعدة بتخفيض النسبة من 30٪ إلى 5%.
إلا أن هذه الإجراءات لم تصمد طويلا، ومع استئناف القصف الإسرائيلي، اضطر كثير من عناصر الشرطة وموظفي وزارة الاقتصاد إلى التواري عن الأنظار، تاركين السوق فريسة للفوضى وغلاء غير منضبط.