كييف تحت النار.. ومسودات سلام تكرّس مكاسب روسيا
بين خطّة سلام أميركية مسرَّبة تعد بإنهاء الحرب في أوكرانيا عبر الاعتراف بمكاسب روسيا الميدانية، وتصعيد عسكري يستهدف البنية التحتية للطاقة والناقلات النفطية، تجد كييف نفسها محاصرة بين ضغوط الحلفاء وواقع الميدان.
فبحسب صحيفة التلغراف البريطانية، تتضمن مسوّدات خطة صاغها مبعوث الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، للسلام ستيف ويتكوف اعترافا "فعليا" بسيطرة روسيا على القرم وأجزاء من الدونباس، وتجميد خطوط التماس في خيرسون وزابوريجيا كحدود أمر واقع، في خطوة أثارت قلقا واضحا لدى شركاء أوكرانيا الأوروبيين الرافضين لأي تغيير للحدود بالقوة.
فتحت سماء تعجّ بالصواريخ والمسيّرات، وحقول نفط تتحوّل إلى أهداف عسكرية، تُطبخ في كواليس العواصم خطط سلام قد تغيّر خرائط أوكرانيا "بالقوة".
سلام على الورق.. مسوّدات تعترف بمكاسب روسيا
بحسب التلغراف، تستعد الولايات المتحدة للاعتراف بسيطرة روسيا على شبه جزيرة القرم وأجزاء أخرى من الأراضي الأوكرانية المحتلة، في إطار خطة سلام صاغها مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام ستيف ويتكوف، بعد مباحثات مع مسؤولين روس، وأوفده مع صهر ترامب جاريد كوشنر لتقديم عرض مباشر للرئيس فلاديمير بوتين في موسكو.
الخطة الأولية المؤلَّفة من 28 بندًا، التي تقول الصحيفة إنها سُرّبت، تتضمن اعترافًا "فعليًا" بسيطرة روسيا على القرم، ومنطقتي دونيتسك ولوغانسك، وتجميد الوضع الميداني عند خط التماس في منطقتي خيرسون وزابوريجيا بوصفه حدًا فاصلًا بحكم الأمر الواقع.
وتقتبس التلغراف من البند 21 في الخطة أن القرم ولوغانسك ودونيتسك ستُعتبر "أراضٍ روسية بحكم الأمر الواقع، بما في ذلك من جانب الولايات المتحدة"، على أن يُجمَّد الوضع في خيرسون وزابوريجيا عند خطوط التماس، مع إنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح في جزء من دونيتسك تسيطر عليه كييف حاليًا، يُعترف به دوليًا كأراضٍ تابعة للاتحاد الروسي، من دون دخول القوات الروسية إليها.
وتشير الصحيفة إلى أن خطة منقّحة من 19 نقطة وُضعت بعد محادثات طارئة بين مسؤولين أوكرانيين وأميركيين في جنيف، كانت "أقل ملاءمة لموسكو"، لكن مصادر عدّة رجّحت أن عروض الاعتراف بسيطرة روسيا بقيت جزءًا من الاستراتيجية الأميركية.
وفي موسكو، أعلن الكرملين أنه تلقّى هذه "الاستراتيجية المنقّحة" لإنهاء الحرب، فيما شدّد بوتين على أن الاعتراف القانوني الأميركي بالقرم ودونيتسك ولوغانسك كأراضٍ روسية سيكون من "الملفات الرئيسية" في أي مفاوضات سلام.
في المقابل، تذكّر التلغراف بأن الدستور الأوكراني يمنع أي رئيس أو حكومة من التنازل عن أراضٍ من دون طرح المسألة على الناخبين في استفتاء عام.
وتنقل الصحيفة عن أندريه يرماك، مدير مكتب الرئيس الأوكراني قبل استقالته، قوله: "لا يمكن لأي شخص عاقل اليوم أن يوقّع وثيقة للتنازل عن أراضٍ"، مضيفًا أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي "لن يوقّع على التنازل عن أراضينا" لأن الدستور يحظر ذلك.
وتضيف الصحيفة أن العرض الأميركي الظاهر بالاعتراف بسيطرة روسيا على الأراضي ضمّتها "بشكل غير قانوني" منذ عام 2014 أثار قلقًا واسعًا لدى حلفاء كييف الأوروبيين، الذين كرروا، بعد اجتماع لـ"تحالف الراغبين"، تمسّكهم بمبدأ أن "الحدود يجب ألا تُغيَّر بالقوة"، وأن المقترحات الأوروبية المضادة لم تتضمّن أي توصية بالاعتراف بالسيطرة الروسية، مكتفية بإحالة "القضايا الإقليمية" للنقاش بعد وقف كامل وغير مشروط لإطلاق النار.
على الميدان، تنقل وكالة فرانس برس عن مصدر في جهاز الأمن الأوكراني أن كييف أعلنت السبت مسؤوليتها عن هجوم على ناقلتي نفط في البحر الأسود.
في موازاة ذلك، تشير فرانس برس في تقرير آخر إلى أن روسيا نفسها تعرّضت لهجوم بمسيّرة بحرية السبت، ألحق أضرارًا بمحطة رئيسية للنفط بالقرب من ميناء نوفوروسيسك في جنوب البلاد.
وذكر كونسورتيوم "خط أنابيب بحر قزوين (CPC)"، الذي يدير نحو 1٪ من إمدادات النفط العالمية، أن "مرسى الشحن رقم 2 تعرّض لأضرار كبيرة نتيجة هجوم موجّه بواسطة زوارق غير مأهولة"، ما أدّى إلى وقف عمليات التحميل وتحويل مسار الناقلات إلى خارج مياه المجمّع. وبحسب مركز سياسة بحر قزوين، ينقل هذا الخط نحو 80٪ من صادرات كازاخستان من النفط.
في الداخل الأوكراني، تضيف فرانس برس أن طائرات روسية مسيّرة ضربت العاصمة كييف والمناطق المحيطة بها مجددا ليل الجمعة السبت، ما أسفر عن قتيل واحد على الأقل و11 جريحًا، بالإضافة إلى أضرار مادية جسيمة تسببت بانقطاع الكهرباء عن أكثر من 600 ألف شخص، بينهم أكثر من 500 ألف مستهلك في كييف، وأكثر من 100 ألف في المنطقة المحيطة، ونحو 8 آلاف في منطقة خاركيف.
أزمة في قلب الرئاسة.. سقوط "الرجل الثاني" في كييف
في لحظة تتكثّف فيها المداولات حول مستقبل الخطة الأميركية، تهزّ فضيحة فساد كبرى بنيان السلطة في كييف. فبحسب فرانس برس والتلغراف، قدّم أندريه يرماك، مدير مكتب زيلينسكي وأحد أهم أعضاء فريقه، استقالته بعد مداهمة منزله من موظفي هيئة مكافحة الفساد الأوكرانية، في إطار تحقيقات مرتبطة بفضيحة فساد في قطاع الطاقة.
وتوضح فرانس برس أن المكتب الوطني لمكافحة الفساد ومكتب المدعي العام الخاص نفذا عمليات تفتيش في منزل يرماك، تتصل بـ"شبكة إجرامية" سمحت باختلاس نحو 86 مليون يورو في هذا القطاع، وأدت إلى إقالة وزيرين واعتقال عدة أشخاص في أوائل نوفمبر. وفرض زيلينسكي عقوبات على المشتبه الأول في الفضيحة، تيمور مينديتش، شريكه التجاري السابق وصديقه المقرّب.
وتنقل الوكالة عن نائب معارض أن اسم يرماك ذُكر على نحو غير مباشر في تسجيلات المحادثات بين المشتبه بهم، على أنه يأمر بالضغط على هيئات مكافحة الفساد، وأنه أُشير إليه باسم مستعار هو "علي بابا".
كما تستشهد الوكالة بمصدر رفيع في الحزب الرئاسي قال إن تأثير يرماك على زيلينسكي "يشبه التنويم المغناطيسي"، وإنه أبقى وزارة الخارجية خارج المفاوضات مع واشنطن، فيما وصفه مسؤول كبير سابق بأنه لا يسمح لأحد بالاقتراب من الرئيس إلا "المخلصين له" ويسعى لأن تكون له يد في "كل قرار رئاسي تقريبًا"، حتى لُقّب أحيانًا بـ"نائب الرئيس".
وتذكّر فرانس برس بأن يرماك كان يقود عدة جولات من المفاوضات مع الأميركيين في واشنطن، وآخرها نهاية الأسبوع الماضي في جنيف، وأن هذا الوضع "يُضعف" موقف أوكرانيا في المفاوضات، و"لا شك" أن روسيا ستسعى لاستغلال هذه الفضيحة، وفق ما قاله محلّل سياسي أوكراني للوكالة.
وبحسب التلغراف، كان من المفترض أن يسافر يرماك ورستم أوميروف، مستشار الأمن القومي، إلى فلوريدا للقاء مسؤولين أميركيين في منتجع مارالاغو التابع لترامب هذا الأسبوع، قبل أن يقدّم يرماك استقالته، فيما أعلن زيلينسكي أن عملية اختيار مدير مكتب جديد للرئاسة ستبدأ السبت.
معركة السماء قبل جولة سلام جديدة
على المستوى العسكري، تكتب أسوشيتد برس أن زيلينسكي أعلن السبت مقتل ٣ أشخاص على الأقل وإصابة العشرات، عندما ضربت روسيا أوكرانيا مجددًا بـ36 صاروخًا وحوالي 600 طائرة مسيّرة في هجمات استهدفت خاصة البنية التحتية للطاقة وأهدافًا مدنية، وتسببت في أضرار واسعة وحرائق في مبانٍ سكنية في كييف والمناطق المحيطة بها.
وفي رسالة نشرها على منصة "إكس"، قال الرئيس الأوكراني إن بلاده "يجب أن تعمل من دون إضاعة يوم واحد" لضمان توافر ما يكفي من الصواريخ لأنظمة الدفاع الجوي، وكل ما هو ضروري "لحمايتنا والضغط على روسيا"، مجددًا دعوته لحلفاء أوكرانيا لتعزيز دفاعاتها الجوية.
وتشير أسوشيتد برس إلى أن هذه الهجمات جاءت قبل الجولة الثانية من مفاوضات السلام، التي من المقرر أن تبدأ فيما تكتسب مبادرة جديدة تقودها الولايات المتحدة لإنهاء الحرب زخمًا هذا الأسبوع، في وقت، تقول التلغراف، يكشف فيه تسريب المكالمات الهاتفية أن كبير مفاوضي ترامب ستيف ويتكوف بدا كأنه يلقّن المسؤولين الروس كيفية استمالة البيت الأبيض، مع الإشارة إلى ضرورة أن "تتخلى أوكرانيا عن دونيتسك"، ما زاد من مخاوف الأوروبيين من أن تُفرض على كييف "صفقة غير مثالية" لإنهاء ما يقرب من أربع سنوات من الصراع.