كشفت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران عن انقسام واضح داخل أوروبا، حيث تحولت الأزمة إلى اختبار سياسي لعلاقات القارة مع واشنطن.
بينما تسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى حشد دعم أوروبي واسع للعملية العسكرية، برزت مواقف متباينة بين دول تدعم الخطوة الأميركية وأخرى ترفض الانخراط في الحرب أو تحاول اتخاذ موقف وسط بين التحالف مع واشنطن وتجنب التصعيد.
واشنطن تختبر ولاء الحلفاء الأوروبيين
تشير تقارير أوروبية إلى أن الحرب على إيران لم تكن مجرد عملية عسكرية، بل تحولت أيضا إلى أداة سياسية لفرز مواقف الدول الأوروبية تجاه الولايات المتحدة. ووفق تقرير لصحفية لوموند الفرنسية، فإن إدارة ترامب تنظر إلى المواقف الأوروبية من الحرب باعتبارها معياراً لتحديد الدول "الصديقة" وتلك التي لا تقف بوضوح إلى جانب واشنطن.
ويرى مراقبون أن البيت الأبيض يستخدم الأزمة الحالية لإعادة رسم خريطة التحالفات داخل أوروبا، عبر التمييز بين الدول التي تدعم العمليات العسكرية أو توفر تسهيلات عسكرية، وتلك التي تفضل تبني موقف أكثر استقلالية أو تحفظا.
ويعيد هذا الانقسام إلى الأذهان الخلافات الأوروبية خلال حرب العراق عام 2003، عندما انقسمت القارة بين معسكر مؤيد للولايات المتحدة وآخر معارض للحرب.
إسبانيا تقود معسكر الرافضين
برزت إسبانيا كواحدة من أبرز الدول الأوروبية التي أعلنت رفضها دعم الهجوم على إيران. فقد أكد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن بلاده لن تكون "شريكة في كارثة كهذه"، مشددا على رفض الحرب والدعوة إلى احترام القانون الدولي.
وأعلن البيت الأبيض الأربعاء الفائت أن إسبانيا وافقت على التعاون مع الجيش الأميركي بعد أن هدد الرئيس دونالد ترامب بقطع العلاقات التجارية، لكن إسبانيا نفت ذلك.
وذكرت صحيفة إل باييس أن سانشيز أعاد إحياء خطاب "لا للحرب" الذي طبع السياسة الإسبانية خلال حرب العراق عام 2003، مؤكدا أن مدريد ترفض النظام الإيراني لكنها ترفض أيضا حل النزاعات بالقوة.

كما شدد سانشيز على أن العنف ليس حلا للأزمات الدولية، محذرا من أن الحروب الكبرى غالبا ما تبدأ بسوء تقدير سياسي، في إشارة إلى المخاطر التي قد يجرها التصعيد العسكري في الشرق الأوسط.
بريطانيا بين التحالف مع واشنطن والحذر من الحرب
أما بريطانيا، فقد اتخذت موقفا أكثر تعقيدا، إذ حاول رئيس الوزراء كير ستارمر الموازنة بين التحالف التقليدي مع الولايات المتحدة وبين الضغوط الداخلية الرافضة للحرب.
ففي البداية، رفضت لندن السماح باستخدام قواعدها العسكرية لشن ضربات على إيران بسبب غياب أساس قانوني واضح للعملية العسكرية، قبل أن تغير موقفها لاحقا وتسمح باستخدام القواعد فقط في إطار ما وصفته بـ"الدفاع الجماعي" وليس للمشاركة في العمليات الهجومية، بحسب تحليل نشرته صحيفة الغارديان.
ورأت الصحيفة أن موقف ستارمر يعكس معضلة استراتيجية عميقة تواجه بريطانيا، إذ تعتمد لندن بشكل كبير على التحالف العسكري والاستخباراتي مع الولايات المتحدة، ما يجعل معارضة واشنطن بشكل مباشر أمرا محفوفا بالمخاطر السياسية والأمنية.
لكن هذا الموقف الوسطي لم يرض أحدا، إذ تعرض ستارمر لانتقادات من داخل بريطانيا بسبب ما اعتبره البعض ترددا في دعم واشنطن، فيما هاجمه الرئيس الأميركي نفسه، قائلا إن رئيس الوزراء البريطاني "ليس ونستون تشرشل"، في انتقاد حاد لموقف لندن من الحرب، بحسب ما نقلته صحيفة التلغراف.
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب السبت إن بريطانيا تفكر بجدية في إرسال حاملتي طائرات إلى الشرق الأوسط، لكنه أضاف أن الولايات المتحدة لا تحتاج إليهما لكسب الحرب مع إيران، وذلك في أحدث مواجهة بين الحليفين العسكريين.
انتقد ترامب مرارا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر وزعم في الأيام القليلة الماضية أنه ساهم في "تدمير" العلاقات التاريخية الوثيقة بين البلدين بعد أن منعت لندن الولايات المتحدة من استخدام قواعد بريطانية في البداية لمهاجمة إيران.
وقال ترامب في منشور على منصة تروث سوشال "لن ننسى" غياب الدعم البريطاني خلال الصراع مع إيران.
وقال "لا بأس يا رئيس الوزراء ستارمر، لسنا بحاجة إليهما بعد الآن، لكننا لن ننسى... لسنا بحاجة إلى أشخاص ينضمون إلى الحروب بعد أن نحقق فيها الانتصار بالفعل".





