يبدو سلوك الرئيس الأميركي دونالد ترامب إزاء التعاطي مع الملف الإيراني للوهلة الأولى، فوضويا ومندفعا، لكن نظرة فاحصة تكشف عن أوجه تشابه مع أساليب الحرب النفسية المألوفة. في مقال تحليلي في صحيفة "معاريف" كتب موشيه إيلاد، المحلل الإسرائيلي المختص بشؤون الشرق الأوسط، إن النقاش الدائر حول ما إذا كان ترامب يتصرف على الساحة الدولية، وخاصة تجاه إيران، وفقا لأنماط الحرب النفسية، ليس مجرد نقاش نظري.

إلا أن المحلل يحذر من المبالغة في تفسير تصرفات ترامب، فليست كل خطواته محسوبة وأحيانًا يكون الأمر أقرب إلى الحدس منه إلى الاستراتيجية.

خلق حالة من عدم اليقين

يقول المحلل إن الإنذار الذي وجهه ترامب إلى إيران بقبول الاتفاق أو "فتح أبواب الجحيم" ليس مجرد تهديد عسكري، بل تحرك إعلامي نفسي يخلق حالة من الاستعجال والضغط.

ويرى أن أبرز ما يميز سلوك ترامب هو خلق حالة من عدم اليقين.

فعلى سبيل المثال، تتأرجح تصريحات الرئيس الأميركي بين التهديد والحوار، وبين التصعيد وضبط النفس، وأحيانا في تحولات حادة. بالنسبة للمعارضين، يُقوّض هذا التقلب القدرة على تكوين تقييم مستقر للوضع، ويُجبرهم على ردود فعل مستمرة. ويقول إيلاد أن الإنذار الأخير لإيران يندرج في هذا النمط من التصعيد ما سرّع عملية اتخاذ القرار عند الإيرانيين.

بين بوتين وترامب

يوضح المحلل الإسرائيلي بمقاربة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وترامب، أن غموض ترامب يتسم بالديناميكية وأحيانا بالفوضى على النقيض من غموض بوتين المُتعمّد.

ويقول إيلاد إنه كلما ازدادت حالة عدم اليقين، ازداد خطر الظهور بمظهر المُزعزع للاستقرار. ويؤكد الإنذار القاسي لإيران هذا الأمر: فقوته كبيرة، لكن مصداقيته أيضًا محل شك.

نمط متكرر من التصعيد اللفظي

في تحليله، يقول إنه خلال الصراع بين الولايات المتحدة وإيران في ولاية ترامب الأولى بين عامي 2019 و2020، خلقت العقوبات والتهديدات شعورا حقيقيا بالخطر، ما دفع إيران إلى توخي الحذر والتعلم في ظل نمط متكرر من التصعيد اللفظي من قبل ترامب دون تنفيذ عسكري.

غير أن المحلل يشرح أن حالة عدم اليقين التي فرضها ترامب على الإيرانيين تبدأ مع الوقت بزوال تأثيرها على أصحاب القرار في طهران، إلا أن هذه الحالة سرعان ما تلاشت وحل مكانها الصدمة ولو مؤقتا، عندما اغتالت الولايات المتحدة قاسم سليماني في بداية عام ٢٠٢٠.

"نظرية الرجل المجنون"

يصر ترامب ومساعدوه منذ فترة طويلة على أن جعل الآخرين غير قادرين على التنبؤ بتصرفاته هو أسلوب في التفاوض يهدف إلى إرباك الخصوم.

قال جوناثان بانيكوف النائب السابق لمدير المخابرات الوطنية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط والذي يعمل الآن في مركز أبحاث (مجلس الأطلسي) في واشنطن "لن أقول إنه تراجع. دفع إيران إلى الحافة وتمكن من الهروب مع مخرج مؤقت على الأقل كان ينتظره"، وفق ما نقلته رويترز.

ويُعتقد على نطاق واسع أن ترامب تأثر بشدة بأجزاء من (نظرية الرجل المجنون)، التي اشتهر باستخدامها الرئيس السابق ريتشارد نيكسون خلال حرب فيتنام، والتي تفترض أن التهديدات القصوى يمكن أن تجبر الأعداء على تقديم تنازلات على طاولة المفاوضات. وأراد نيكسون أن يصدق الفيتناميون الشماليون أنه غير متزن وقد يستخدم أسلحة نووية.

وقال مارك دوبويتز الرئيس التنفيذي لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات إن "المشكلة في نظرية المجنون في الجغرافيا السياسية هي أنك لن تخيف عدوك فحسب، بل ستخيف حلفاءك وشعبك أيضا".