تشهد السياسة الأميركية تجاه الصين تحولا لافتا في الآونة الأخيرة، إذ بدأت ولايته الثانية بنهج تصعيدي شمل فرض رسوم جمركية مرتفعة وإجراءات مشددة، قبل أن تتجه لاحقا نحو مقاربة أكثر هدوءا ومصالحة في محاولة لإعادة ضبط العلاقات مع بكين وتفادي صدام اقتصادي واسع.
ويأتي هذا التحول في ظل ضغوط متزايدة على واشنطن، سواء من حيث الاعتماد على سلاسل التوريد المرتبطة بالصين أو الحاجة إلى الحفاظ على استقرار الأسواق، إلى جانب التحضير لاجتماعات مرتقبة مع القيادة الصينية، بحسب وول ستريت جورنال.
تحول جذري في الخطاب والاستراتيجية
اعتمدت إدارة ترامب مقاربة أكثر تصالحا تجاه الصين، حيث نصت الاستراتيجية الدفاعية الجديدة على سعي الرئيس إلى "سلام مستقر وتجارة عادلة وعلاقات محترمة مع الصين"، في تغيير واضح عن توصيف بكين سابقا كأكبر تهديد أمني للولايات المتحدة.
ويعكس هذا التحول ما وصفه التقرير بأنه "تحول زلزالي" في السياسة الأميركية، قائم على مبدأ تجنب التصعيد أو "عدم هز القارب".
كما حرص ترامب نفسه على إرسال إشارات إيجابية، إذ قال في تصريح لصحيفة وول ستريت جورنال: "لدينا علاقة جيدة جدا مع الرئيس شي"، في وقت أكد متحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن أن "التعاون يفيد الطرفين بينما المواجهة تضرّ بهما"، ما يعكس تقاربا في الخطاب الرسمي بين الجانبين.
تراجع السياسات المتشددة داخل واشنطن
شهدت مؤسسات القرار في واشنطن تغييرات عملية عكست هذا التوجه، حيث تم تعليق رسوم جمركية مرتفعة كانت قد بلغت نحو 150%، وإلغاء خطط لمعاقبة شركات صينية أو حظرها، إضافة إلى تقليص التحقيقات المرتبطة بأنشطة صينية، والسماح بمرور استثمارات صينية داخل الولايات المتحدة مع تدقيق أقل.
كما فرض وزير التجارة هوارد لوتنيك قيودا إجرائية على أي خطوات تتعلق بالصين، إذ طلب موافقته الشخصية على أي إجراء، ما أدى إلى تباطؤ القرارات داخل الأجهزة الحكومية.
وفي سياق مماثل، تم إبعاد عدد من المسؤولين المعروفين بتشددهم تجاه الصين، وإلغاء هياكل داخل مجلس الأمن القومي كانت تقود سياسات تقييد التكنولوجيا والاستثمارات الصينية.
هذا التحول أثار قلق بعض المسؤولين السابقين، حيث قال كريس ماكغواير، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي: "تفوقنا على الصين سيتآكل، والتكلفة طويلة الأمد لذلك ستكون هائلة"، في إشارة إلى المخاطر الاستراتيجية لهذا النهج.
ضغط المعادن النادرة وإعادة رسم الحسابات
لعبت الصين دورا حاسما في دفع هذا التحول، بعدما استخدمت ورقة المعادن النادرة، حيث أوقفت معظم صادراتها من هذه المواد الحيوية التي تدخل في صناعات متقدمة تشمل السيارات الكهربائية والصواريخ والطائرات ومراكز البيانات والغواصات.
هذا القرار، الذي وصفه مسؤولون بأنه فاجأ الإدارة الأميركية، كشف مدى اعتماد واشنطن على بكين في سلاسل التوريد الحساسة.
وفي هذا السياق، أشار مسؤولون إلى أن واشنطن اضطرت إلى التراجع عن بعض إجراءاتها من أجل إعادة تدفق هذه الموارد، حيث قال خبراء إن الصين "وقفت في وجه ترامب باستخدام المعادن النادرة، ما دفع الولايات المتحدة إلى التراجع"، في ما وصف بأنه مرحلة "احتواء متبادل للأضرار" بين الطرفين.
كما تسعى الإدارة الأميركية إلى تقليل هذا الاعتماد عبر تحركات خارجية، من بينها دفع دول مثل فنزويلا لفتح قطاع التعدين أمام الاستثمارات الأجنبية، بهدف "إضعاف سيطرة الصين على المعادن الحيوية"، وفق ما ورد في تقرير فايننشال تايمز، في محاولة لإعادة تشكيل خريطة الموارد العالمية وتقليص النفوذ الصيني.





