في عالم يميل إلى الصراع، قد تكون الأغنية أحيانا أبلغ من الخطاب الرسمي، ويصبح الحوار أسهل وتتقلص المسافات السياسية.

فمن غناء الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في القمة الأوروبية الأخيرة في عاصمة أرمينيا، يريفان، إلى جولات الجاز في الحرب الباردة وصعود الغناء الكوري اليوم، تتحول الموسيقى إلى أداة نفوذ تتجاوز الخطابات الرسمية وتلغي المسافات.

غناء إيمانويل ماكرون في قمة يريفان

غناء ماكرون في قمة أوروبية لم يكن حركة عفوية فحسب، إنما إشارة سياسية واضحة، فالغناء في لحظة تجمع قادة دول يفتح بابا للتواصل بلغة ثقافية مشتركة ويخفف التوتر.

كما يقدم صورة زعيم قادر على مخاطبة الآخرين بأسلوب إنساني لا يعتمد على الأرقام والبيانات وحدها.

بهذا الفعل استخدم ماكرون الغناء كقوة ناعمة لتعزيز حضوره وليمنح رسالته بعدا رمزيا يتجاوز حدود السياسة التقليدية.

رؤساء سابقون أوصلوا بالغناء رسالة سياسية

  • نيلسون مانديلا

غنى مانديلا أغاني النضال بعد انتخابه رئيسا في جنوب أفريقيا، وكانت الأغنية رسالة لترسيخ الوحدة الوطنية وللتأكيد أن زمن الانقسام انتهى وأن المصالحة ممكنة.

الغناء هنا كان امتدادا لمسار سياسي أراد طي صفحة الماضي عبر لغة يفهمها الجميع.

  • باراك أوباما

في مراسم تأبين ضحايا كنيسة تشارلستون، في ٢٠١٥، غنى أوباما نشيد "النعمة المدهشة" فحوّل الغناء إلى خطاب وطني يدعو إلى الشفاء الجماعي ومواجهة العنصرية.

  • هوغو تشافيز

كان تشافيز يغني في برامجه وخطاباته ليقرب صورته من الناس ويضفي على رسائله طابعا شعبيا. فالغناء هنا كان وسيلة لتعزيز حضور سياسي يعتمد على العاطفة بقدر ما يعتمد على الخطاب.

  • بوريس يلتسن

غنى يلتسن في تجمعات انتخابية في روسيا خلال التسعينيات ليظهر بصورة الزعيم القريب من الجمهور في مرحلة سياسية صعبة.

  • جاستن ترودو

شارك ترودو في غناء تقليدي مع مجتمعات السكان الأصليين في كندا في إطار رسائل مصالحة واحترام للثقافات المهمشة.

دبلوماسية الغناء على مستوى الدول

الغناء لم يكن أداة بيد الرؤساء فحسب، فقد استخدمته دول عدة، كوسيلة نفوذ ثقافي وسياسي.

  • الولايات المتحدة وسفراء الجاز

منذ العام 1956 أطلقت الولايات المتحدة برنامجا اعتمد على إرسال كبار موسيقيي الجاز إلى العالم خلال الحرب الباردة. شارك في هذه الجولات لويس ارمسترونغ وديزي غيليسبي وديوك ألينغتون وسارة فوغان وبيني غودمان.

كانت الرسالة أن الجاز يعبر عن الحرية والإبداع، وأن المجتمع الأميركي قادر على إنتاج ثقافة منفتحة رغم مشكلاته الداخلية.

هذه الجولات تحوّلت إلى أداة دبلوماسية فاعلة أسهمت في تحسين صورة الولايات المتحدة في دول عدة. 

فرنسا وقوة الأغنية

باريس، عاصمة الأنوار، اعتمدت أيضا على الأغنية لتعزيز حضورها الثقافي عبر دعم مهرجانات خارجية ورعاية عروض لفنانين فرنسيين بأصوات صادحة مثل آديث بياف وشارل أزنافور، التي أصبحت رموزا للهوية الفرنسية في العالم.

بهذه السياسة استخدمت باريس الغناء كوسيلة تأثير ثقافي طويل المدى.

كوريا الجنوبية وصعود الغناء

بدورها كوريا الجنوبية استثمرت في صناعة الموسيقى حتى أصبحت فرق الغناء الكوري قوة ناعمة عالمية، ليعزز هذا النجاح صورة البلاد الحديثة وجذب السياحة والاستثمارات وفتح أبواب سياسية واقتصادية جديدة.

جسر الصين الموسيقي

في العام 1973 وبعد زيارة الرئيس الأميركي، وقتها، ريتشارد نيكسون للصين، قدمت أوركسترا فيلادلفيا أول عرض لأوركسترا أميركية في الصين.

كان ذلك العرض خطوة رمزية لفتح صفحة جديدة بعد أعوام من العزلة.

اليوروفيجن

تحول هذا الحدث السنوي إلى منصة تستخدمها الدول الأوروبية للتعبير عن هويتها الوطنية وإظهار انتمائها إلى الفضاء الأوروبي. الغناء هنا يصبح وسيلة دبلوماسية علنية أمام جمهور عالمي.

أوكرانيا مثلا، وعبر مسرح اليوروفيجين قدّمت أغنيات تحمل رسائل عن الحرية والصمود في وجه الحروب، ومشاركتها تأتي دائما محمّلة بمعنى سياسي من دون تصريح مباشر.

وكانت تركيا تستخدم الأغاني الحديثة لإظهار نفسها بصورة شبابية قريبة من أوروبا، قبل أن تنسحب من المسابقة.

دبلوماسية الغناء اليوم

دول عدة تستخدم الغناء كأداة تواصل ثقافي عبر مبادرات رسمية وبرامج تبادل فني، ومنها على سبيل الذكر وليس الحصر:

  • مهرجان غلاستونبري في بريطانيا
  • مهرجان مونترو للجاز في سويسرا
  • مهرجان فاس للموسيقى الروحية في المغرب
  • مهرجان قرطاج الدولي في تونس.