عندما تمثل متهمة بالانضمام إلى تنظيم داعش أمام القضاء الفرنسي، غالبا ما تستحضر القضايا قصصا عن الفقر أو التفكك الأسري أو الجريمة أو التهميش الاجتماعي. لكن محاكمة الفرنسية كاميل ف. تكشف مسارا مختلفا تماما.

ليست المرأة البالغة من العمر 45 عاما مجرد عائدة من مناطق سيطرة التنظيم، بل حاصلة على دكتوراه في علم الأوبئة، ومهندسة سابقة، وعازفة فلوت درست في المعهد الموسيقي، قبل أن تترك حياتها المهنية وتنتقل مع زوجها وأطفالها إلى سوريا عام 2013 حيث أمضت 9 سنوات داخل مناطق سيطرة التنظيم قبل إعادتها إلى فرنسا عام 2022.

تخضع كاميل حاليا للمحاكمة أمام محكمة الجنايات الخاصة في باريس بتهم مرتبطة بالإرهاب وتعريض أطفالها للخطر.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

داعش واستقطاب النخب المتعلمة

بحسب صحيفة لوموند، تمثل قضية كاميل ف. نموذجا لما وصفته بـ"تطرف الطبقات الميسورة"، إذ تظهر أن تنظيم داعش لم ينجح فقط في استقطاب المهمشين أو أصحاب السوابق، بل تمكن أيضا من جذب أفراد متعلمين ومندمجين اجتماعيا.

ووفقا للصحيفة، نشأت كاميل في أسرة ميسورة، وحصلت على شهادة في الرياضيات التطبيقية، ثم شهادة في علوم الحاسوب، ودراسات عليا في الصحة العامة، قبل أن تنال درجة الدكتوراه عام 2011 من خلال أطروحة حول آثار الإشعاعات المؤينة. وكانت تعمل مهندسة في معهد الحماية من الإشعاع والسلامة النووية الفرنسي قبل أن تتخلى عن مسارها المهني الواعد.

وتشير لوموند إلى أن شيئا في مسار حياتها لم يكن يوحي بأنها ستنتهي داخل أحد أكثر التنظيمات دموية في العصر الحديث، وهو ما جعل قضيتها محط اهتمام خاص لدى الرأي العام والسلطات القضائية الفرنسية.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

زوج متشدد يقود الأسرة نحو التطرف

ترجع الصحيفة نقطة التحول الرئيسية في حياة كاميل إلى علاقتها بزوجها سيلفان م. الذي تعرفت إليه وهي في الـ19 من عمرها. وبعد سنوات من الزواج، اعتنق الزوجان الإسلام، إلا أن سيلفان اتجه تدريجيا نحو أفكار أكثر تطرفا.

ووفقا للوموند، انتقل الزوج من الاقتراب من جماعة التبليغ التابعة لتنظيم الإخوان. وبدأ منذ عام 2011 في فرض قواعد دينية أكثر صرامة على أسرته، بينما تخلت كاميل تدريجيا عن بعض جوانب حياتها السابقة، فتوقفت عن العزف على آلة الفلوت وارتدت الحجاب.

وفي إفادتها للمحققين، أقرت كاميل بأنها كانت تدرك تطرف زوجها لكنها قللت من خطورة أفكاره. ونقلت الصحيفة عنها قولها: "أدرك اليوم أنني قللت من خطورة تصريحاته. لم أكن أعتقد أنه قادر على قتل الناس".

وفي عام 2012 انتقلت الأسرة إلى الأردن، ثم إلى مصر، قبل أن يقرر الزوج السفر إلى سوريا في سبتمبر 2013 "للقتال"، لتلحق به زوجته بعد ثلاثة أشهر برفقة أطفالها الثلاثة.

تسع سنوات بين الحرب والمخيمات والمحاكمة

بعد وصولها إلى سوريا، عاشت كاميل داخل المناطق التي كان يسيطر عليها التنظيم. وتقول لوموند إنها أمضت معظم وقتها داخل المنزل بينما كان زوجها يشارك في القتال. كما شهدت تصاعد عنفه، وروت للمحققين أنه اعتدى ذات مرة على ابنتهما الكبرى لأنها ضحكت أثناء الصلاة.

وتنقلت الأسرة بين حلب والرقة ومدينة الباب تبعا لتطورات المعارك. وفي مايو 2015 قتل زوجها الأول في القتال، تاركا خلفه أرملة وأربعة أطفال. وبعد 6 أشهر تزوجت من سوري كان يعمل مدرسا قبل انضمامه إلى التنظيم، وأنجبت منه طفلا خامسا.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

ومع انهيار تنظيم داعش تدريجيا بعد عام 2017، اضطرت الأسرة إلى التنقل المستمر حتى وصلت إلى الباغوز، آخر معاقل التنظيم في سوريا. وبعد سقوط الباغوز في مارس 2019، استسلمت كاميل للقوات الكردية مع أطفالها الخمسة. وبعد احتجازها في مخيمي الهول وروج لعدة سنوات، أعيدت طوعا إلى فرنسا في أكتوبر 2022.

وتشير لوموند إلى أن كاميل مثلت أمام القضاء وهي قيد الاحتجاز، وقد عادت لدراسة الرياضيات داخل السجن. وتواجه تهما تتعلق بالانتماء إلى جماعة إرهابية وتعريض صحة وسلامة وتعليم أطفالها للخطر، وهي تهم قد تصل عقوبتها إلى السجن لمدة 30 عاما.