مع اتساع رقعة المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، لم تعد المعارك تقتصر على المنشآت العسكرية والممرات البحرية الحيوية، بل بدأت تطال أيضا بنى تحتية تمس الحياة اليومية للسكان، وعلى رأسها منشآت المياه والطاقة.
وقالت صحيفة لو تان السويسرية إن منشآت تحلية المياه دخلت دائرة التوتر بين واشنطن وطهران، بعدما تعرضت منشآت مرتبطة بإمدادات المياه لهجمات خلال التصعيد الأخير، في تطور يثير تساؤلات حول إمكانية تحول الموارد الحيوية إلى أدوات ضغط في النزاعات الحديثة.
وبحسب الصحيفة، أدت ضربات أميركية مفترضة على منشأة لتحلية المياه قرب الساحل الإيراني على الخليج إلى انقطاعات مؤقتة في إمدادات المياه عن نحو عشرين قرية، ما تسبب في حرمان حوالي 10 آلاف شخص من مياه الشرب لفترة قصيرة، قبل أن تعلن السلطات الإيرانية إعادة تشغيل المنشأة بعد إصلاح الأضرار.
وأشارت تقارير إعلامية أميركية، بينها شبكة إن بي سي نيوز، إلى أن التصعيد بين الطرفين بات يشمل منشآت مرتبطة بالبنية التحتية الحيوية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع نطاق المواجهة لتشمل قطاعات مدنية ذات أهمية استراتيجية.
المياه.. مورد استراتيجي في منطقة جافة
تكتسب قضية المياه أهمية خاصة في المنطقة، التي تعد من أكثر مناطق العالم اعتمادا على تقنيات تحلية مياه البحر بسبب محدودية مصادر المياه العذبة الطبيعية.
ووفقا للأرقام التي نقلتها لوتان عن بيانات الأمم المتحدة، تعتمد بعض دول المنطقة بدرجة كبيرة على المياه المحلاة لتأمين احتياجات سكانها، إذ تجاوزت نسبة الاعتماد على هذه التقنية 90% في الكويت، بينما تصل إلى مستويات مرتفعة أيضا في دول أخرى.
ويقول الكاتب والمحلل السياسي كاميل أمون، المتخصص في قضايا الطاقة والتنمية الحضرية، إن محطات التحلية تمثل "شريان الحياة" للعديد من دول المنطقة، نظرا لدورها في توفير المياه ليس فقط للاستخدام المنزلي، بل أيضا للقطاعات الاقتصادية والصناعية والسياحية.
ويضيف أن أهمية هذه المنشآت تضاعفت مع النمو السكاني والتوسع العمراني، إذ أصبحت المياه عنصرا أساسيا لاستمرار النشاط الاقتصادي في بيئة مناخية شديدة الحرارة.
هل تتحول المياه إلى سلاح حرب؟
رغم المخاوف من انتقال الصراع إلى استهداف واسع لمنشآت المياه، يرى خبراء أن هذا السيناريو لا يزال غير مرجح في المرحلة الحالية.
وينقل تقرير لو تان عن أمون قوله إن إيران قد تفضل استخدام أدوات ضغط أخرى، مثل التأثير على حركة الملاحة في مضيق هرمز، باعتبارها ورقة ذات تأثير عالمي على أسواق الطاقة والتجارة، بدلا من الدخول في مواجهة مباشرة تستهدف احتياجات السكان في دول الجوار.
ويشير المحلل إلى أن أي استهداف واسع للبنية التحتية المدنية قد يحمل تداعيات سياسية وإنسانية كبيرة، وقد يؤدي إلى توسيع دائرة الأزمة بدلا من تحقيق أهداف استراتيجية محددة.
إيران نفسها تواجه أزمة مياه
ولا تقتصر تحديات المياه على دول المنطقة، إذ تواجه إيران أيضا ضغوطا مائية متزايدة بسبب الجفاف وتراجع الموارد الطبيعية، ما دفعها خلال السنوات الماضية إلى زيادة الاعتماد على تحلية مياه البحر في بعض المناطق الساحلية.
وترى لو تان أن هذا الواقع يجعل منشآت المياه جزءا من حسابات الردع المتبادل بين الطرفين، خصوصا مع تصاعد التهديدات المتعلقة باستهداف البنى التحتية الحيوية.
وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى أن الطرفين تبادلا التهديدات بشأن استهداف منشآت الطاقة والمياه، مع اتساع المواجهة حول مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم.
منشآت الطاقة والمياه في قلب التصعيد
ويأتي استهداف منشآت المياه وسط حملة عسكرية أوسع تشمل قطاعات الطاقة والنقل، إذ ركزت الضربات المتبادلة خلال الأيام الماضية على مواقع تعتبرها الأطراف المتحاربة ذات أهمية استراتيجية.
وتقول واشنطن إن عملياتها العسكرية تهدف إلى تقليص قدرة إيران على تهديد حركة السفن التجارية في مضيق هرمز، بينما تؤكد طهران أن البلاد تواجه ما وصفه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بأنه "حرب شاملة"، معتبرا أن الاقتصاد ومعيشة السكان يمثلان أحد ميادين المواجهة الرئيسية.
وفي المقابل، امتدت تداعيات الأزمة إلى مناطق أخرى في المنطقة، مع تصاعد التوتر حول طرق التجارة البحرية، ولا سيما البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ما يضيف بعدا اقتصاديا عالميا إلى الصراع.
المياه.. اختبار جديد لأمن المنطقة
تكشف التطورات الأخيرة أن الحروب الحديثة لم تعد تستهدف فقط القواعد العسكرية والجيوش، بل أصبحت البنى التحتية المدنية الحيوية جزءا من حسابات الصراع.
وبين الطاقة والملاحة والمياه، تظهر المنطقة أمام تحديات أمنية جديدة، في وقت تبقى فيه منشآت التحلية إحدى أهم ركائز الاستقرار المعيشي لملايين السكان.
ورغم أن الخبراء يستبعدون حاليا تحول المياه إلى سلاح رئيسي في المواجهة الإيرانية الأميركية، فإن إدخال هذه المنشآت إلى دائرة التوتر يعكس طبيعة الحروب الجديدة، حيث يمكن لمنشأة مدنية واحدة أن تصبح عاملا مؤثرا في معادلات الأمن والسياسة.





