في سبتة، لم تكن الحدود وحدها هي التي تعرضت للاختبار، بل فكرة التضامن الأوروبي نفسها. فمع تدفق آلاف المهاجرين إلى الجيب الإسباني، سرعان ما تحولت الأزمة من تحد أمني وإنساني إلى مواجهة سياسية داخل الاتحاد الأوروبي.
فقد أعادت إلى الواجهة الانقسامات القديمة بشأن الهجرة، وأثارت تساؤلات جديدة حول قدرة أوروبا على توحيد موقفها عندما تتعرض إحدى دولها لضغط على حدودها الخارجية.
وكشفت أزمة الهجرة غير المسبوقة التي شهدتها المدينة عن انقسام داخل الاتحاد الأوروبي يتجاوز مسألة التعامل مع تدفق المهاجرين، ليطال جوهر مبدأ التضامن بين الدول الاعضاء.
نقطة اختبار
في غضون ساعات، تحولت المدينة الواقعة شمال أفريقيا إلى نقطة اختبار لقدرة الاتحاد على دعم دولة عضو تواجه ضغطا على إحدى حدوده الخارجية، لكن ردود الفعل الأوروبية سرعان ما اتجهت في بعض العواصم من مساندة مدريد إلى انتقادها والمطالبة بتشديد القيود عليها.
وبحسب تقارير غربية، عبر نحو 50 ألف شخص، وفق التقديرات الإسبانية، ونحو 60 ألفا بحسب مصادر أخرى، من المغرب إلى سبتة خلال فترة قصيرة في أواخر يوليو. وقالت السلطات الإسبانية إن نحو 48 ألف شخص عادوا إلى المغرب، بينما لم يسجل انتقال جماعي للمهاجرين من سبتة إلى إسبانيا القارية.
ورغم أن الأزمة بقيت محصورة في سبتة، فإن المشاهد أثارت حالة من الذعر السياسي في عدد من الدول الأوروبية، وأعادت الهجرة إلى صدارة النقاش الداخلي، خصوصا في الدول التي تواجه صعود أحزاب اليمين المناهض للهجرة.
سبتة تكشف هشاشة التضامن الأوروبي
مجلة دير شبيغل الألمانية أشارت إلى أن التدفق المفاجئ للمهاجرين أظهر مدى سرعة تراجع التضامن الأوروبي عندما تواجه إحدى الدول الاعضاء أزمة استثنائية على حدود الاتحاد، إذ سارعت حكومات أوروبية إلى توجيه انتقادات الى مدريد.
وكانت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في مقدمة المنتقدين، حيث طالبت بتعليق اتفاقية شنغن مع إسبانيا. كما دعمت فنلندا هذا الطرح، فيما انضمت دول أخرى إلى رسالة وجهها 22 رئيس دولة وحكومة إلى قيادة الاتحاد، دعت إلى تعزيز حماية الحدود الخارجية وعقد اجتماع استثنائي لوزراء الداخلية.
لكن اللافت، بحسب دير شبيغل، أن فرنسا والبرتغال، وهما الجاران المباشران لإسبانيا، لم توقعا على الرسالة. كما أشارت مصادر في بروكسل إلى أن المستشار الألماني فريدريش ميرتس كان مترددا بشأنها.
ورأى التقرير أن دوافع بعض هذه المواقف كانت مرتبطة بالسياسة الداخلية، خصوصا في دول مثل إيطاليا وفنلندا، حيث تمثل الهجرة قضية انتخابية حساسة.
في المقابل رد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز برسالة إلى رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، انتقد فيها ما وصفه بـ"غياب التضامن" من بعض الشركاء الأوروبيين.
وقال سانشيز إن بعض الدول الأوروبية "اختارت مهاجمة إسبانيا" والدعوة إلى استبعادها مؤقتا من منطقة شنغن.
كما حذر من أن هذا النوع من المواقف، الذي وصفه بأنه مدفوع بـ"الأحكام المسبقة والمعلومات المضللة والمصالح السياسية"، يتعارض مع القانون الأوروبي والقانون الإنساني ومبادئ التضامن الأوروبية.
وطلب سانشيز عقد اجتماع عاجل لوزراء داخلية الاتحاد، مؤكدا أن حماية الحدود الخارجية للاتحاد "مسؤولية مشتركة" وليست مسؤولية الدول الواقعة في الخط الأمامي وحدها.
كما أعلن رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا تضامنه مع إسبانيا.
في المقابل، ركزت فون دير لاين على ضرورة إعادة المهاجرين، ووصفت المشاهد في سبتة بأنها "غير مقبولة"، مع تحميل شبكات تهريب البشر مسؤولية ما حدث.
سبتة تشعل الخلاف الأوروبي حول أمن الحدود
بحسب فايننشال تايمز، لا تتيح سبتة لمن يدخلها بصورة غير نظامية الوصول مباشرة إلى إسبانيا القارية، إذ تفرض السلطات ضوابط على الانتقال إليها وتشدد الإجراءات الأمنية في ميناء المدينة.
ولفت التقرير إلى أن معظم الذين دخلوا المدينة عادوا إلى المغرب خلال نحو 24 ساعة، ولم تسجل السلطات الأوروبية عمليات دخول غير نظامية من سبتة إلى إسبانيا القارية.
ومع ذلك، استُغلت الأزمة سياسيا لتوجيه انتقادات إلى حكومة سانشيز حيث دعت ميلوني إلى تعليق وضع إسبانيا داخل شنغن، بينما أيدت وزيرة الداخلية الفنلندية ماري رانتانن هذا الطرح.
كذلك طالب مانفريد فيبر، رئيس حزب الشعب الأوروبي، المفوضية الأوروبية بمحاسبة مدريد على ما اعتبره فشلا في حماية الحدود الخارجية.
وذكر المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن إيطاليا لم تكن الوحيدة التي اتخذت موقفا متشددا، إذ عززت فرنسا أيضا الرقابة على حدودها مع إسبانيا.
ودافعت مدريد عن سجلها في مجال ضبط الحدود، إذ استند سانشيز إلى بيانات وكالة فرونتكس ليؤكد أن إسبانيا لديها واحدة من أقل الحدود الخارجية تسربا في الاتحاد الأوروبي.
كما أشارت فايننشال تايمز إلى أن إسبانيا سجلت العام الماضي عمليات دخول غير نظامي أقل من إيطاليا، وأنها كانت أكثر استعدادا لاستعادة مهاجرين غير نظاميين من دول أوروبية أخرى. وذكر التقرير أن إسبانيا استقبلت في 2024 نحو 1366 مهاجرا أعادتهم دول أوروبية، مقابل 60 حالة فقط بالنسبة إلى إيطاليا.
سبتة تعيد طرح مستقبل سياسة الهجرة الأوروبية
وكشفت أزمة سبتة أيضا عن مشكلة أوسع في سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه الهجرة، وهي الاعتماد الكبير على الترتيبات الثنائية مع دول الجوار بدلا من سياسة أوروبية موحدة.
ورأى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن غياب مقاربة أوروبية مشتركة يدفع الدول الاعضاء إلى التفاوض بشكل منفرد مع دول شمال أفريقيا، ما يمنح هذه الدول قدرة أكبر على التأثير في تدفقات الهجرة وعلى استخدام الملف كورقة ضغط سياسية.
وأشار المصدر نفسه إلى أن الاتحاد يمتلك أدوات اقتصادية وسياسية كبيرة للتعامل مع ضغوط الهجرة، لكنه يحتاج إلى إرادة مشتركة لاستخدامها.
وربطت فايننشال تايمز رد الفعل الأوروبي بالسياق السياسي الداخلي للقارة، حيث تستعد عدة دول لاستحقاقات انتخابية، بينما تواجه الحكومات ضغوطا متزايدة من أحزاب اليمين المتشدد التي جعلت الهجرة قضية رئيسية.
وأفاد التقرير بأن أزمة سبتة قدمت صورة مثالية للأحزاب المناهضة للهجرة، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن خطر ردود الفعل المتسرعة. فبدلا من معالجة أسباب الأزمة وتقييم أداء الحدود الأوروبية، انصب جزء كبير من النقاش على تحميل سانشيز مسؤولية ما حدث بسبب سياساته المتعلقة بالهجرة.
وأشارت دير شبيغل إلى أن بعض العواصم الأوروبية تعاملت مع أزمة سبتة من خلال عدسة أزمة الهجرة عام 2015، رغم اختلاف الظروف. كما يرى أن الاتحاد لديه آليات للتعامل مع ما يسمى بالتهديدات الهجينة، لكنه لم يستخدم هذه الأدوات في حالة سبتة، بينما تحول جزء كبير من الضغط السياسي إلى مدريد.





