بينما يجد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، نفسه عالقا في حرب إيران، التي تتصاعد حولها الانتقادات داخل الولايات المتحدة، يبدو أنّه يعيد إحياء واحدة من أكثر تجارب سياسته الخارجية إثارة للجدل: التواصل المباشر مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون.
بحسب نيويورك تايمز، يتزامن انفتاح ترامب المتجدد على بيونغ يانغ مع عجزه عن إيجاد مخرج سريع من الأزمة الإيرانية. ويبدو أنّ أولويته انتقلت تدريجيا من التعامل مع البرنامج النووي الإيراني إلى هدف أكثر إلحاحا يتمثل في تأمين الملاحة عبر مضيق هرمز. وفي هذا السياق، قد تمثل كوريا الشمالية بالنسبة إليه فرصة للانتقال من حرب مفتوحة ومعقدة إلى مسار دبلوماسي يمكن تقديمه باعتباره إنجازا.
وجاءت الإشارة الأوضح إلى هذا التحول عندما أمر ترامب وزارة الدفاع الأميركية بتقليص المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية. ووفق أسوشيتد برس، برر الرئيس الأميركي القرار بكلفة التدريبات، وبأنها تبعث "إشارة غير مناسبة وعدائية" إلى كوريا الشمالية، التي قال إنها كانت "غير مهددة ومحترمة" خلال وجوده في البيت الأبيض.
كما ربط ترامب قراره باستياء من رفض كوريا الجنوبية المشاركة في الجهود الأميركية المتعلقة بنزع السلاح النووي الإيراني، في خطوة تعكس تداخل الملفين الإيراني والكوري الشمالي في حساباته السياسية.
وكانت المناورات تستمرّ 11 يوما ويشارك فيها نحو 18 ألف جندي كوري جنوبي، بهدف تعزيز الجاهزية في مواجهة تهديدات بيونغ يانغ. لكن كوريا الشمالية تعتبر هذه التدريبات أحد أبرز رموز السياسة الأميركية العدائية تجاهها، ما يجعل قرار تقليصها رسالة سياسية مباشرة إلى كيم جونغ أون.
من مستنقع إيران إلى ورقة كوريا الشمالية
يرى التلفزيون الكوري الجنوبي SBS أنّ العودة المفاجئة إلى الملف الكوري الشمالي مرتبطة مباشرة بالمأزق الإيراني.
أصبحت الحرب، وفق تحليل القناة، عرضة لانتقادات داخل الولايات المتحدة، بينما لا توجد حتى الآن استراتيجية خروج سريعة وواضحة تسمح لترامب بإنهاء الأزمة من دون تكلفة سياسية كبيرة.
ومن هنا، قد يكون الملف الكوري الشمالي أكثر من مجرد أولوية دبلوماسية جديدة. بالنسبة إلى ترامب، يمكن أن يكون وسيلة لتغيير الرواية السياسية.
فبدلا من أن يظلّ النقاش الأميركي محصورا في حرب إيران وكلفتها وأهدافها غير الواضحة، يستطيع ترامب إعادة ملف كوريا الشمالية إلى الواجهة: زعيم نووي، ومفاوضات مباشرة، وصور قمم تاريخية، وإمكانية الإعلان عن تقدم دبلوماسي.
وبحسب SBS، فإنّ ترامب قد يسعى إلى إعادة إحياء الاهتمام الدولي بـ"الخطر الكوري الشمالي"، قبل تقديم نفسه باعتباره قادرا على فتح مسار دبلوماسي لمعالجة الأزمة. كما أن هناك محطات سياسية ودبلوماسية مقبلة، بينها قمة أميركية-صينية واجتماع "أبيك"، قد توفر له منصة مناسبة لإعادة إطلاق هذا المسار.
العودة إلى تجربة لم تنجح
لكن ترامب جرب ذلك من قبل. خلال ولايته الأولى، عقد ٣ قمم مباشرة مع كيم جونغ أون، وتحدث عن علاقة شخصية مميزة معه، وأبدى تفاؤلا بشأن تفكيك البرنامج النووي الكوري الشمالي. إلا أنّ المفاوضات انهارت في قمة هانوي عام 2019، ولم تسفر عن اتفاق.
وبعد ذلك، واصلت بيونغ يانغ تطوير قدراتها النووية والصاروخية. وتشير نيويورك تايمز إلى أنّ كوريا الشمالية تمتلك اليوم، بحسب بعض التقديرات، نحو 60 سلاحا نوويا، إضافة إلى صواريخ يُعتقد أنّها قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة.
وهذا يجعل العودة إلى المفاوضات أكثر تعقيدا. فترامب لا يعود إلى كوريا الشمالية نفسها التي التقاها قبل سنوات، بل إلى دولة أكثر تسلّحا، عززت علاقاتها مع روسيا والصين، ويبدو زعيمها أقلّ حاجة إلى تقديم تنازلات.
صفقة محدودة مقابل إنجاز سياسي
يشير تحليل موقع SBS إلى أنّه بدلا من الإصرار على التخلي الكامل عن الترسانة النووية، قد يتجه ترامب إلى اتفاق يقوم على تجميد البرنامج الكوري الشمالي عند مستواه الحالي مقابل تخفيف العقوبات والضغوط العسكرية.
لن تحقق مثل هذه الصفقة الهدف التقليدي للسياسة الأميركية، لكنها قد تمنح ترامب إنجازا دبلوماسيا يحتاج إليه في ظلّ حرب إيران.
فهناك، في إيران، القوة العسكرية والضربات ومأزق يصعب التنبؤ بنهايته. أما في كوريا الشمالية، فهناك احتمال العودة إلى القمم والمصافحات والتفاوض المباشر.
كيم جونغ أون في موقع أقوى
من وجهة نظر كوريا الشمالية، لا تبدو الظروف الحالية سيئة.
في المقابل، يأتي هذا التقارب المحتمل في وقت ينشغل ترامب بالبحث عن مخرج من مأزق الحرب مع إيران، بينما عززت بيونغ يانغ موقعها عبر توطيد علاقاتها مع موسكو على خلفية الحرب في أوكرانيا، إلى جانب تعزيز روابطها مع بكين.
وتشير تحليلات كورية جنوبية إلى أنّ كيم جونغ أون قد يسعى، في أي مفاوضات محتملة، إلى استبعاد ملف نزع السلاح النووي من جدول الأعمال، مقابل الضغط من أجل وقف أو تقليص المناورات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية.
مفارقة ترامب النووية
ربما تكون المفارقة الأكبر أن ترامب يسير في اتجاهين متناقضين.
في إيران، اختار القوة العسكرية وتبنى موقفا متشددا تجاه البرنامج النووي. أما في كوريا الشمالية، فيبدو مستعدا لاتباع نهج أكثر براغماتية مع دولة تمتلك بالفعل أسلحة نووية.
كما أن الحرب في إيران قد تعزز قناعة كيم جونغ أون بأن الاحتفاظ بالسلاح النووي هو أفضل وسيلة لمنع أي تدخل عسكري أميركي.
وهكذا، قد يجد ترامب نفسه أمام معادلة معقدة، الحرب التي خاضها لمنع الانتشار النووي في إيران يمكن أن تدفع كوريا الشمالية إلى التمسك أكثر بترسانتها.





