لم تعد المخاوف الأمنية المحيطة بقاعدة أكروتيري البريطانية في قبرص تقتصر على المسيّرات ومحاولات التجسس المباشرة، إذ بات فندق صيني فاخر يرتفع بمحاذاة المنطقة السيادية البريطانية موضع اهتمام مسؤولين عسكريين وأمنيين، بسبب ما تتيحه طوابقه العليا من مراقبة حركة المقاتلات وطائرات التجسس والجنود داخل إحدى أهم القواعد الغربية في شرق المتوسط.

ويخشى مسؤولون من احتمال استغلال منتجع "سيتي أوف دريمز ميديتيرينيان" كنقطة مراقبة تطل على القاعدة التي تؤدي دوراً محورياً في العمليات البريطانية بالشرق الأوسط، وشكّلت محطة مهمة للعمليات الأميركية خلال الحرب مع إيران، بحسب تقرير لصحيفة "تلغراف" البريطانية.

Image 1

إطلالة على حركة الطائرات

افتُتح المنتجع عام 2023 على مساحة تبلغ نحو 15 فداناً، ويضم فندقاً من 16 طابقاً وكازينو ومسابح ومسرحاً ومدرجاً ومرافق رياضية ومطاعم فاخرة. لكنه، خلافاً لمعظم فنادق مدينة ليماسول الراقية، لا يقع على الشاطئ، بل يحاذي المنطقة السيادية البريطانية من جهتين.

فيما يمنح ارتفاع المبنى، الذي يتجاوز بفارق واضح جميع المنشآت المجاورة، نزلاء الطوابق العليا إطلالة مباشرة باتجاه قاعدة أكروتيري.

وكشفت مصادر استخباراتية وعسكرية للصحيفة أن شخصا يقف في موقع مناسب ويحمل منظارا يمكنه متابعة إقلاع الطائرات وهبوطها، ورصد تحركات الجنود والمسؤولين داخل القاعدة ومحيطها.

ويُحظر الوصول إلى أعلى طوابق الفندق على غالبية النزلاء، إذ يرتبط استخدامه بحجز أحد الجناحين الرئاسيين.

في المقابل ترى مصادر داخل القاعدة أنّ هذا الموقع قد يوفر منصة مناسبة لمراقبة الأنشطة العسكرية من دون الحاجة إلى معدات تقنية معقدة أو الاقتراب من المنشآت المحمية.

Image 1

مقاتلات شبح وطائرات تجسس

وتنبع حساسية أكروتيري من طبيعة الطائرات والعمليات التي تستضيفها. فالقاعدة تستقبل مقاتلات "إف-35" الشبحية، إلى جانب طائرة الاستطلاع الأميركية "يو-2 دراغون ليدي"، وتُستخدم مركزا للعمليات البريطانية ونقطة انطلاق وإسناد للتحركات العسكرية الأميركية في المنطقة.

وخلال المرحلة الأولى من الحرب مع إيران، تعرضت منشآت مرتبطة بعمليات طائرات "يو-2" في أكروتيري لضربة نفذتها مسيّرة مرتبطة بطهران، ضمن الرد الإيراني على الهجمات الأميركية والإسرائيلية.

ونقلت الصحيفة عن مصادر أن تنفيذ ضربة بهذه الدقة يرجح أن يكون قد استند إلى معلومات جُمعت مسبقا أو قُدمت من جهات متحالفة مع إيران.

ويمكن للمراقبة البصرية من موقع قريب تسجيل مواعيد الطلعات الجوية ومعدلاتها، وأنماط تحرك القوات والإجراءات التشغيلية، فضلا عن مراقبة الدوريات وأمن محيط القاعدة واستجابة القوات للمسيّرات. كما قد توفر تأكيدا بصريا لتحركات طائرات لا تبث بيانات رحلاتها علنا.

Image 1

صلات سياسية تثير الانتباه

يتبع الفندق مجموعة "ميلكو ريزورتس" التي يديرها الملياردير الصيني الكندي لورنس هو، وهو عضو في اللجنة الوطنية للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، وهي هيئة تضمّ شخصيات ثرية ونافذة ومرتبطة بالحياة السياسية في بكين.

وأثارت هذه الصلة، إلى جانب موقع الفندق، مخاوف شخصيات عسكرية في أكروتيري من احتمال استخدام المنشأة لمصلحة أجهزة الاستخبارات الصينية. لكن التقرير أكّد عدم وجود أدلة على ارتكاب لورنس هو أو شركته أو الفندق أي مخالفة.

وخلال زيارة الصحيفة للمنتجع، لم يرصد مراسلوها أي نشاط مشبوه. وكان المكان يعج بالعائلات والسياح والشبان الذين يصورون محتوى لمنصات التواصل، إلى جانب المتسوقين ورواد المسابح والكازينو.

Image 1

إجراءات مضادة وحدود للحماية

تأتي هذه المخاوف في ظل سوابق دفعت دولاً غربية إلى التدقيق في منشآت صينية قريبة من المواقع العسكرية. ففي الولايات المتحدة أثيرت تساؤلات بشأن شراء جهات صينية أراضي ومرافق قرب قواعد عسكرية، كما ظهرت مخاوف مشابهة في سويسرا بشأن فندق مملوك لصينيين يطل على قاعدة ستستضيف مقاتلات "إف-35". ونفى مالكو الفندق السويسري استخدامه لأي غرض غير سياحي.

وتواجه قاعدة أكروتيري بالفعل تهديدات تجسس منفصلة. فقد أوقف الشهر الماضي رشاد سلطانوف، وهو بريطاني أذربيجاني مزدوج الجنسية، للاشتباه بمراقبته تحركات المقاتلات لمصلحة الجيش الإيراني.

فيما لا يزال محتجزاً بانتظار تسليمه إلى بريطانيا.

وقالت مصادر إن القاعدة ستعتمد إجراءات مضادة للمراقبة بعدما أصبح الفندق موضع اهتمام أمني، لكنها أقرت بوجود حدود لما يمكن فعله لمنع جمع المعلومات من خارج المنطقة العسكرية.

وأكدت وزارة الدفاع البريطانية أن أكروتيري محمية بإجراءات أمنية قوية ومتعددة الطبقات تخضع للمراجعة المستمرّة.

أما إدارة "سيتي أوف دريمز"، فنفت بشدة استخدام مرافقها لأي أغراض أخرى، مؤكدة أن المنتجع مخصص حصراً للسياحة والترفيه وفعاليات الأعمال، ويعمل تحت رقابة السلطات القبرصية.