بعد خمسة أعوام على عودتها إلى الحكم، تحاول حركة طالبان الخروج من عزلتها الاقتصادية، عارضة على الولايات المتحدة الاستثمار في ثروات أفغانستان المعدنية، مقابل تخفيف العقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة.

وقال وزير خارجية طالبان أمير خان متقي، في مقابلة مع صحيفة "فايننشال تايمز"، إن كابول ترحب بالاستثمارات الأميركية في التعدين والبنية التحتية والزراعة والتجارة، داعياً إلى بناء العلاقات المستقبلية بعيداً عن إرث الحرب.

لكن خلف هذا الانفتاح يقف رجل نادراً ما يظهر، ويمتلك الكلمة الأخيرة في البلاد: هبة الله آخوند زاده، زعيم طالبان والحاكم الفعلي لأفغانستان.

من المدارس الدينية إلى قيادة طالبان

لا يوجد تاريخ مؤكد لميلاد آخوند زاده، لكن معظم المصادر ترجح أنه وُلد مطلع ستينيات القرن الماضي في بنجواي بولاية قندهار، وينتمي إلى قبيلة نورزاي البشتونية.

كان والده إمام مسجد، وانتقلت أسرته إلى باكستان بعد الغزو السوفيتي عام 1979، حيث واصل تعليمه الديني قرب كويتا.

وتفيد مؤسسة "راند" بأنه نشأ في أسرة دينية فقيرة، قبل انضمامه إلى طالبان خلال تسعينيات القرن الماضي، وفق موقع "راند".

ولم يصنع آخوند زاده اسمه قائداً ميدانياً، بل رجل دين وقضاء. وخلال حكم طالبان الأول بين عامي 1996 و2001، تولى مناصب في محاكمها الشرعية والعسكرية، وأصبح مستشاراً دينياً للملا محمد عمر.

"أمير المؤمنين"

بعد مقتل زعيم طالبان أختر منصور بغارة أميركية عام 2016، اختار مجلس شورى الحركة آخوند زاده خلفاً له.

وساعدته مكانته الدينية وعدم امتلاكه جناحاً عسكرياً خاصاً على الظهور باعتباره مرشحاً توافقياً بين قادة طالبان.

وفي 2017، أعلنت الحركة أن ابنه عبد الرحمن، البالغ 23 عاماً، نفذ هجوماً انتحارياً بسيارة مفخخة على قاعدة للجيش الأفغاني في هلمند، ما منحه رصيداً رمزياً إضافياً بين مقاتليها، وفق رويترز.

وقاد آخوند زاده طالبان حتى دخولها كابل في أغسطس 2021. ورغم عدم توليه رئاسة الحكومة، احتفظ بلقب "أمير المؤمنين"، وأصبح المرجعية النهائية في الشؤون السياسية والدينية والعسكرية.

حاكم قندهار الغامض

يقيم آخوند زاده في قندهار، بينما تتولى الحكومة في كابول إدارة الملفات اليومية. ووصفه فريق مراقبة العقوبات التابع لمجلس الأمن بأنه "الحاكم المطلق لأفغانستان"، مشيراً إلى أن المسؤولين في كابول لا يملكون تأثيراً حقيقياً في قراراته.

ولا تملك وسائل الإعلام سوى صورة قديمة واحدة مؤكدة له. وفي أكتوبر 2021، أعلنت طالبان أول ظهور علني موثق لزعيمها داخل مدرسة دينية في قندهار، لكنها لم تنشر صوراً أو فيديو، واكتفت بتسجيل صوتي، وفق موقع "يورو نيوز".

Image 1

مطلوب دولياً

وارتبط اسم آخوند زاده بالقرارات التي منعت الفتيات من التعليم بعد الصف السادس، وأغلقت الجامعات أمام النساء وقيّدت عملهن وتنقلهن.

وفي يوليو 2025، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحقه، قائلة إن هناك أسباباً معقولة للاعتقاد بمسؤوليته عن جريمة ضد الإنسانية تتمثل في اضطهاد النساء والفتيات على أساس النوع الاجتماعي، وفق رويترز.

وهكذا، بينما تعرض طالبان ثروات أفغانستان على المستثمرين الأميركيين، يبقى القرار النهائي بيد رجل يدير البلاد من قندهار، بعيداً عن الكاميرات ومؤسسات الحكم في كابول.