بعدما تحولت مقاتلات "وحدات حماية المرأة" إلى أحد أبرز وجوه الحرب على تنظيم داعش، وجدن أنفسهن أمام معركة مختلفة تماماً: الاحتفاظ ببنادقهن ومكانتهن في سوريا الجديدة.

فبينما انتقل المقاتلون الرجال في "قوات سوريا الديمقراطية" إلى الجيش السوري عقب حلّها، اصطدمت النساء برفض وزارة الدفاع وجود عنصر نسائي مقاتل داخل المؤسسة العسكرية.

لكن باباً آخر فُتح أمامهن عبر وزارة الداخلية، وسط مفاوضات لم تحسم بعد طبيعة القوة الجديدة ولا صلاحياتها.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

بحسب تقرير نشرته صحيفة "صنداي تايمز"، أبلغت وزارة الدفاع السورية قيادة وحدات حماية المرأة بأن الجيش الجديد لا يضم عنصراً نسائياً مقاتلاً.

وقال مصطفى عبدي، وهو عضو بارز في الفريق الرئاسي المكلف تنفيذ اتفاق الدمج، إن المقاتلات عُرضت عليهن وظائف غير قتالية، تشمل الأعمال الإدارية والتقنية، لكنهن رفضنها.

من ساحات القتال إلى مؤسسات الدولة

وفي هذا الشأن قالت الصحافية الكردية، المقيمة في القامشلي، لانا محمد، في حديث لـ"بلينكس" إن وحدات حماية المرأة، بعد أكثر من 13 عاماً على تأسيسها، تواجه تحولاً يتجاوز إعادة الانتشار أو تغيير الهيكل التنظيمي، موضحة أن التشكيل النسائي الذي نشأ في خضم الحرب السورية وراكم خبرات عسكرية وأمنية واسعة، بات أمام اختبار الانتقال من تجربة عسكرية مستقلة إلى مؤسسة تعمل ضمن الدولة، من دون فقدان الخصوصية التي شكّلت جوهر تجربته.

وأضافت محمد أن تجربة الوحدات منحتها حضوراً يتجاوز وظيفتها العسكرية، وجعلتها جزءاً من نقاش أوسع بشأن دور المرأة في المؤسسات الأمنية والعسكرية في سوريا والمنطقة. ولذلك، فإن مستقبلها لا يرتبط بمصير تشكيل مسلح فحسب، وإنما بمصير تجربة نسائية تشكّلت وتطورت خلال سنوات الحرب.

وزارة الداخلية تغيّر طبيعة الدور

وجاء في حديثها لـ"بلينكس" أن نقل المقاتلات إلى مؤسسة تابعة لوزارة الداخلية يحمل دلالات سياسية وأمنية متداخلة، إذ يشير من جهة إلى أن تجربتهن لا تُعامل باعتبارها مرحلة انتهت بانتهاء الظروف التي نشأت فيها، بل رصيداً يمكن توظيفه داخل مؤسسات الدولة. ومن جهة أخرى، يعني هذا الانتقال تغيير طبيعة دورهن من تشكيل عسكري عمل ضمن ظروف الحرب إلى قوة أمنية تعمل في إطار مؤسساتي رسمي.

الخصوصية النسائية أمام اختبار الدمج

وبحسب محمد، فإن المسألة الأكثر حساسية في عملية الدمج قد لا تتعلق بمكان انتشار المقاتلات أو باسم القوة الجديدة، وإنما بقدرة الهيكل المرتقب على الحفاظ على خصوصية التجربة النسائية التي بُنيت خلال أكثر من عقد، ولا سيما أن وزارة الدفاع السورية، وفق هيكليتها السابقة، لم تكن تضم تشكيلاً عسكرياً نسائياً مستقلاً.

وأشارت إلى أن وحدات حماية المرأة استطاعت بناء تجربة خاصة في التنظيم والقيادة والمشاركة القتالية، معتبرة أن دمج المقاتلات في مؤسسات الدولة قد يمثل خطوة متقدمة نحو توسيع مشاركة النساء في القطاع الأمني. لكنها حذرت في المقابل من احتمال تراجع الخصوصية التنظيمية التي ميّزت التجربة، إذا لم تُترجم عملية الدمج إلى أدوار وصلاحيات واضحة.

من الصمود العسكري إلى الدور المؤسسي

وختمت محمد بالقول إن وحدات حماية المرأة تدخل اليوم مرحلة مختلفة تماماً عن سابقاتها؛ ففي الماضي كان معيار النجاح يتمثل في القدرة على الصمود والقتال وتحقيق المكاسب العسكرية، أما في المرحلة الجديدة فسيُقاس النجاح بمدى القدرة على تحويل الخبرة التي راكمتها المقاتلات إلى دور مؤسسي مستدام داخل الدولة.

جاء ذلك بعد إعلان حلّ "قسد" ودمج مقاتليها ومؤسساتها في الدولة السورية، في خطوة أنهت وجود القوة المدعومة أميركياً تنظيماً عسكرياً مستقلاً.

وكانت "قسد" قد لعبت دوراً رئيسياً في قتال داعش، وسيطرت خلال سنوات الحرب على مساحات واسعة من شمال شرقي سوريا.

غير أن مصير وحدات حماية المرأة، التي كانت جزءاً من "قسد"، بقي من أبرز النقاط العالقة في ترتيبات الدمج، خصوصاً مع تمسك المقاتلات بالحصول على دور أمني أو عسكري فعلي.

باب وزارة الداخلية

وبعد تعثر طريقهن إلى الجيش، دخلت وزارة الداخلية على خط المفاوضات. وأعلنت قيادة وحدات حماية المرأة أنها عقدت اجتماعاً مع وفد رسمي من الوزارة، نوقشت خلاله إمكانية دمج الوحدات "قوة متميزة ومنظمة" ضمن هيكليتها.

ورحبت الداخلية السورية بالمقترح، ووصفت انضمام المقاتلات إلى أجهزتها بأنه إضافة وضرورة للمنظومة الأمنية.

كما أفادت تقارير محلية بأن عدداً من العناصر بدأ بالفعل العمل ضمن تشكيل تابع للوزارة، من دون صدور إعلان رسمي يحدد الهيكل التنظيمي أو المهمات الموكلة إليهن.

وقد يفتح هذا المسار أمام المقاتلات أدواراً في مكافحة الإرهاب وحماية المنشآت والسجون والمعابر، إلى جانب الشرطة المجتمعية والتعامل مع النساء والأطفال.

إلّا أنّ الخلاف لا يزال قائماً بشأن ما إذا كن سيبقين ضمن وحدة متماسكة بقيادتها الخاصة، أم سيجري توزيعهن أفراداً على أجهزة الوزارة.

Image 1

من جبهات داعش إلى المكاتب

تأسست وحدات حماية المرأة عام 2013، وبرز اسمها عالميًا خلال معارك الرقة ودير الزور ومنبج، إضافة إلى دورها في إنقاذ إيزيديين حاصرهم داعش في سنجار.

وترفض المقاتلات اللواتي تحدثت إليهن الصحيفة التحول إلى موظفات إداريات أو التخلي عن طبيعتهن القتالية. لكن دمشق لا تبدو مستعدة حتى الآن لإدخالهن إلى الجيش على قدم المساواة مع رفاقهن الرجال.

وهكذا، انتقلت المقاتلات اللواتي واجهن داعش من حرب على الجبهات إلى مفاوضات حول الرتب والصلاحيات والسلاح.

وبين رفض وزارة الدفاع وترحيب وزارة الداخلية، لم يعد السؤال ما إذا كانت الدولة السورية ستستوعبهن، بل ماذا سيتبقى من القوة التي عرفها العالم بعد اكتمال ذلك الاستيعاب.