منذ إصابته في الضربة الصاروخية التي قتلت والده في فبراير، لم يظهر مجتبى خامنئي علناً، لكن غيابه لم يمنعه من إعادة رسم خريطة السلطة في إيران.

إذ لجأ المرشد الجديد، في ظل حرب تهدد البلاد وقبضة لم تستقر بعد، إلى الجيل المؤسس للحرس الثوري، مستدعياً أسماء صنعتها حرب الثمانينيات لتشكيل دائرة عسكرية وأمنية تحمي حكمه من الأخطار الخارجية والاضطرابات الداخلية.

ففي أغسطس، عيّن خامنئي عدداً من كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين في مناصب رئيسية، واضعاً قيادات متشددة ومخضرمة في قلب آلة الحرب الإيرانية.

كما تولى أحمد وحيدي قيادة الحرس الثوري رسمياً، فيما عُيّن مصطفى إيزدي نائباً له. أما محسن رضائي، الذي قاد الحرس 16 عاماً شملت معظم سنوات الحرب العراقية الإيرانية، فعُيّن ممثلاً للمرشد وأميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي، الهيئة التي تتخذ قرارات إيران في زمن الحرب.

أيضا عُيّن علي عبداللهي رئيساً لأركان القوات المسلحة، وكيومرث حيدري نائباً له، فيما تولى علي عظمائي قيادة القوة البحرية للحرس الثوري.

عودة "الشيخ"

كان تعيين حسين طائب قائداً لقوات الباسيج، الذراع التطوعية التابعة للحرس الثوري، الأكثر إثارة للاهتمام، نظراً إلى قربه من خامنئي وسجله الأمني المثير للجدل.

ويُعرف طائب في بعض الأوساط الإيرانية باسم "الشيخ"، وكان شخصية محورية في القمع العنيف للاحتجاجات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها عام 2009. ورأى محللون أن عودته تكشف قلق خامنئي من احتمال اندلاع انتفاضة جديدة.

وأدار طائب جهاز استخبارات الحرس الثوري مدة 13 عاماً، واتُّهم بتحويله إلى أداة تابعة لبيت المرشد، ساعد من خلالها مجتبى خامنئي على بناء شبكة نفوذ خلال حكم والده الراحل علي خامنئي.

ثم بعد إبعاده من منصبه عام 2022، اختفى طائب من الحياة العامة، لكنه عاد الآن وفي جعبته حسابات قديمة يريد تصفيتها، وفق مصادر إيرانية تحدثت إلى صحيفة "تلغراف".

شبكة جاهزة للولاء

قبل نحو عقد، استبدل طائب، بتوجيهات من خامنئي، مئات من أئمة الجمعة بقادة محليين من الباسيج في أنحاء البلاد.

ويمثل أئمة الجمعة عيون المرشد وآذانه في المدن والبلدات، إذ ينقلون توجهات القيادة ويرفعون تقارير عن المزاج الشعبي.

أما قادة الباسيج فيديرون شبكات قادرة على حشد التأييد وفرض السيطرة في الشوارع.

وبما أن كثيراً منهم يدينون بمواقعهم لخامنئي، فإنهم يشكلون قاعدة دعم جاهزة يستطيع الاعتماد عليها لترسيخ سلطته.

وينتمي معظم المسؤولين الجدد إلى الجيل المؤسس للحرس الثوري، وشاركوا في الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988.

وقد خدم بعضهم إلى جانب خامنئي على جبهات القتال، ما يفسر استعانته بهم في هذه المرحلة.

عن هذا قال مسؤول إيراني لـ"تلغراف": "الوضع حساس وهش للغاية. كثير من كبار مسؤولي الحرس الثوري قتلوا، وعاد مجتبى إلى قاعدة دعمه الأساسية، وأحضر أشخاصاً يثق بهم مئة في المئة".

لكن المسؤول أشار إلى استمرار الغموض بشأن الحالة الصحية لخامنئي، مؤكداً أن أياً من القادة لم يلتقِ به، وأن المعلومات المتاحة عنه تستند أساساً إلى ما يعرضه التلفزيون.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

تغييرات لم تنتهِ

توقع محسن سازغارا، أحد مؤسسي الحرس الثوري، استمرار عمليات الإقالة والتعيين، وربما التطهير، بعد هدوء الحرب.

وأوضح أن السلطة الحقيقية في إيران لا تمر فقط عبر مؤسسات الدولة، بل من خلال "بيت المرشد" وشبكته الواسعة المنتشرة في المؤسسات.

ولكي يسيطر خامنئي على هذه الآلة وأجهزة الاستخبارات التي بناها والده، سيكون عليه مواصلة تثبيت رجاله في المواقع الحساسة.

فيما حذّر سازغارا من التعامل مع الحرس الثوري بوصفه قوة واحدة متماسكة، موضحاً أنه يضم متشددين ومعتدلين وإصلاحيين ورجال أعمال وأصحاب مصالح مختلفة.

مفارقة الحرس القديم

تكمن مفارقة استراتيجية خامنئي في أن رجال الجيل الأول يمثلون الحلفاء الأكثر أماناً، لكنهم أيضاً الأكثر نفوذاً ورسوخاً، بعدما راكموا شبكات وأموالاً ومجموعات تابعة لهم على مدى عقود.

والاعتماد عليهم يمنحه ولاءً سريعاً، لكنه يزيد ارتباطه بمراكز قوة يصعب إبعادها لاحقاً. وهكذا قد تساعد عودة "رجال الخنادق" خامنئي على تثبيت حكمه مؤقتاً، لكنها قد تؤجل فقط مواجهة مقبلة بين القوى التي منحها النفوذ لحماية عرشه.