"لقد شربوا الغاز".. بهذه العبارة وصف مسؤول عسكري سوداني، في رسالة تعود إلى سبتمبر 2024، ما قال إنه هجوم بقنابل الكلور على مقاتلين من قوات الدعم السريع.

الرسالة واحدة من بين آلاف المحادثات والوثائق والصور والتسجيلات التي تكشف، وفق تحقيقين لـ"واشنطن بوست" و"نيويورك تايمز"، تفاصيل برنامج سري أنشأه الجيش السوداني لتطوير ذخائر كيميائية واستخدامها في الحرب.

وتشير المواد، التي قدمها مسؤولون ووكالة استخبارات في الشرق الأوسط، إلى أن البرنامج عمل نحو ستة أشهر خلال عام 2024، واعتمد على تصنيع قنابل بدائية محملة بغاز الكلور، واختبارها في الصحراء وتخزينها داخل قواعد عسكرية، وسط محاولات لاحقة لمحو آثار المشروع بعد اكتشافه أميركياً.

حل عسكري لمعركة الخرطوم

بدأ المشروع، بحسب الملفات، عندما كان الجيش السوداني يواجه صعوبة في طرد قوات الدعم السريع من مواقعها المحصنة داخل الخرطوم.

في يوليو 2024، طرح المسؤول عن البرنامج استخدام الكلور لإجبار المقاتلين على مغادرة الخنادق والمباني وأبراج المراقبة.

وتكشف إحدى الرسائل مناقشة استهداف ثكنة تضم أبراجاً يسيطر عليها قناصة تابعون للدعم السريع، على أساس أن الغاز "سيغطي جميع هذه الأبراج، وسيهبط أي قناص"، ما يسمح للجيش بتحييده.

وتضمنت الخطة إنتاج قنبلة "مزدوجة التأثير" تجمع بين نحو 15 كيلوغراماً من غاز الكلور و20 كيلوغراماً من المتفجرات، إلى جانب كرات معدنية تتحول إلى شظايا قاتلة.

وبذلك يمكن للذخيرة قتل المستهدفين بالانفجار أو الاختناق، فيما يساعد التفجير على إخفاء آثار استخدام المواد الكيميائية.

اختبار ناجح وتسربات قاتلة

في 22 يوليو 2024، أقلعت طائرة شحن من طراز "أنتونوف" من مطار مروي لاختبار إحدى القنابل في منطقة صحراوية. ويظهر تسجيل مصور مقذوفات تسقط على الرمال قبل تصاعد سحب صفراء مائلة إلى الأخضر، وهو لون يرتبط بغاز الكلور.

وكتب المشرف على المشروع عقب التجربة: "نجح الاختبار بنسبة 100%.. سقطت على الهدف وأطلقت الغاز"، ليرد مسؤول آخر بعبارة: "سرية تامة".

لكن عملية التصنيع واجهت مشكلات خطرة، أبرزها تسرب الكلور من القنابل. وتذكر إحدى الرسائل أن العمال عثروا ذات صباح على حشرات وعقارب نافقة على أرضية منشأة التصنيع، بعدما اختنقت على ما يبدو بالغاز المتسرب خلال الليل.

وتظهر الصور أسطوانات غاز عادية جرى تزويدها بمقدمات معدنية وصواعق وزعانف تساعدها على السقوط نحو أهدافها. كما تظهر منصة مثبتة داخل طائرة "أنتونوف أن-32"، صُممت على ما يبدو لتحميل القنابل وإسقاطها من باب الشحن الخلفي.

Image 1

مئات القنابل

بحلول أكتوبر 2024، تشير الرسائل إلى تصنيع نحو 290 ذخيرة كيميائية، خُزّن معظمها في قاعدة مروي الجوية. وتحدثت إحدى المحادثات عن استخدام 106 قنابل، من دون أن يتضح مصير بقية المخزون.

وتربط الملفات إحدى الهجمات بمصفاة الجيلي النفطية شمال الخرطوم، التي كانت قوات الدعم السريع تسيطر عليها. وفي سبتمبر 2024، كتب المسؤول عن البرنامج إلى أحد زملائه: "لقد شربوا الغاز"، في إشارة إلى مقاتلين تعرضوا للكلور.

وكانت قوات الدعم السريع قد اتهمت الجيش آنذاك بإطلاق صواريخ "سامة" على المصفاة، فيما أظهرت صور متداولة أشخاصاً يستخدمون أقنعة الأكسجين.

إلا أنه لم تُسجل وفيات مؤكدة، كما ظهرت اختلافات بين شكل الأسطوانات التي عُثر عليها والذخائر الظاهرة في ملفات البرنامج.

وتشير رسالة أخرى إلى هجوم مزعوم في أكتوبر على مصنع للذخيرة، قيل إنه تسبب بخسائر كبيرة وفرار السكان، لكن لم تظهر تقارير مستقلة تؤكد ذلك.

كلور من محطات المياه

اعتمد المشروع جزئياً على شحنات كلور مخصصة لتنقية مياه الشرب. وتكشف رسالة صوتية أن الجيش أخذ أسطوانات من محطة المنارة في أم درمان، وهي منشأة تلقت الكلور من منظمات دولية لمواجهة تفشي الكوليرا.

وأكد الصليب الأحمر ومنظمة "كير" و"يونيسف" تقديم أسطوانات كلور إلى محطات المياه في الخرطوم، بينها المنارة، لكن "يونيسف" قالت إنها لا تملك سجلاً يثبت تحويل شحناتها أو إساءة استخدامها.

كما تشير الرسائل إلى استيراد 20 أسطوانة كبيرة عبر الحدود مع مصر، قيل إنها تكفي لإنتاج 1100 قنبلة.

Image 1

"إزالة جميع الآثار"

بعد فرض واشنطن عقوبات على السودان بسبب الاستخدام المزعوم للأسلحة الكيميائية، تُظهر رسائل أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان أمر بـ"إزالة جميع آثار" البرنامج، قبل أن يتلقى رداً يفيد بأن المهمة نُفذت.

وفي مفارقة لافتة، ضمت اللجنة التي شكلها البرهان للتحقيق في الاتهامات المسؤولَ الذي تقدمه الوثائق بوصفه مهندس البرنامج. وانتهى تحقيقها الأولي إلى عدم وجود آثار لتلوث كيميائي أو إشعاعي.

وينفي الجيش والبرهان تطوير أسلحة كيميائية أو استخدامها، واصفاً الملف بأنه بلا أساس مادي. أما الخبراء الذين راجعوا المواد، فاعتبروها مؤشرات قوية وذات صدقية على وجود برنامج كيميائي، مع تأكيدهم أن الإثبات النهائي يتطلب تفتيش المواقع وإجراء تحقيق مستقل داخل السودان.