هل بدأت واشنطن تمهيد الطريق أمام عودة الدولة السورية إلى السويداء، أم أن رسالة مبعوثها توم باراك لا تتجاوز محاولة احتواء جولة جديدة من التوتر؟
دعوة المسؤول الأميركي إلى إعادة دمج المحافظة ضمن سوريا، وتحذيره من الفراغ الذي تملؤه الفصائل، تفتح الباب أمام قراءة سياسية تتجاوز حادثة إخراج أحد وجهاء المنطقة من منزله، خصوصا في ظل التفاهمات الأميركية مع دمشق ووجود "خط أحمر" إسرائيلي يمنع تحرك القوات السورية جنوبا بذريعة حماية الدروز.
فقد حض المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك، السبت، على ضبط النفس في محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، بعد اضطرار أحد وجهاء المنطقة إلى مغادرتها إثر توترات مع أنصار الزعيم الدرزي حكمت الهجري.
لكن باراك لم يكتف بالدعوة إلى تهدئة الوضع، بل ربط ما يجري بغياب الحكم وانتشار الفصائل المسلحة، مؤكدا أن الطريق يكمن في إعادة دمج المحافظة ضمن الدولة السورية.
هل هو ضوء أخضر أميركي؟
تكتسب تصريحات باراك أهمية خاصة لأنها تأتي في وقت تسعى فيه السلطات السورية الجديدة إلى بسط نفوذها على كامل البلاد، بينما لا تزال مدينة السويداء وأجزاء أخرى من المحافظة خاضعة لسيطرة فصائل مسلحة محلية.
ومن بين أبرز هذه الفصائل قوات الحرس الوطني التابعة للهجري، أحد أشد معارضي السلطات السورية الجديدة، والذي أعلن مؤخرا أن طائفته تعد "جزءا لا يتجزأ من دولة إسرائيل".
وعلى الرغم من أن باراك لم يذكر الهجري بالاسم، فإن حديثه حمل انتقادا واضحا للواقع القائم في المحافظة.
وقال المبعوث الأميركي: "حيثما يغيب الحكم، تملأ العصابات الفراغ، واليوم قلة قليلة ذات دوافع سامة تنقلب على نفسها"، مضيفا أن "رجالا مثل عاطف هنيدي يحتجزون تعسفيا ويطردون من منازلهم".
وأشار إلى أن فريقه على تواصل مع هنيدي و"آخرين علقوا في حملة العنف الطائفي هذه"، داعيا إلى "ضبط النفس في التصرفات".
طريق العودة إلى الدولة
الأهم في رسالة باراك كان تأكيده أن "خارطة طريق للسلام"، وُقعت العام الماضي، تشكل مسارا لإعادة دمج السويداء "بكرامة في سوريا"، مع تمتع المجتمع الدرزي بكامل الحقوق والتزامه الكامل بواجبات المواطنة.
وأضاف أن هذا المسار هو "السبيل الوحيد الذي يؤدي إلى أي مكان سوى العودة إلى المتاعب".
هذه العبارات تثير تساؤلات بشأن ما إذا كانت واشنطن تمنح دمشق غطاء سياسيا لاستعادة حضور الدولة في المحافظة، ولكن عبر ترتيبات متفق عليها، وليس بالضرورة من خلال تحرك عسكري قد يصطدم بالموقف الإسرائيلي.
وكانت إسرائيل، التي تضم أقلية درزية، تدخلت عسكريا خلال مواجهات السويداء العام الماضي، وشنت غارات داخل سوريا، معلنة أنها تتحرك لحماية الدروز.
وفي المقابل، اقتربت واشنطن، حليفة إسرائيل، من السلطات السورية الجديدة، ما يجعل موقف باراك محاولة للموازنة بين إعادة دمج السويداء ضمن الدولة، وبين تجنب تحرك أمني أو عسكري قد يتجاوز "الخط الأحمر" الإسرائيلي في الجنوب.
خروج هنيدي
جاء موقف باراك عقب إعلان التلفزيون السوري الرسمي أن "مجموعات خارجة عن القانون" أجبرت عاطف هنيدي، وهو أحد الشخصيات المحلية البارزة، على مغادرة مدينة السويداء بعد اختطافه من منزله، بسبب بيان أدان فيه تصريحات الهجري.
وأوضح التلفزيون أن هنيدي وصل لاحقا إلى دمشق.
في المقابل، قالت قوات الحرس الوطني التابعة للهجري إن مقاتليها تحركوا "لاحتواء الموقف ومنع أي احتكاك يهدد السلم الأهلي"، عقب تجمع عدد من الأهالي في محيط منزل هنيدي، مؤكدة أنه توجه إلى دمشق "بناء على طلبه الشخصي".
توتر متصاعد
وتشهد السويداء تصاعدا جديدا في التوتر. وأفادت وسائل إعلام رسمية هذا الأسبوع بأن اشتباكات مع جماعات مسلحة محلية أسفرت عن إصابة عشرة عناصر من قوات الأمن الحكومية، بعد أيام من مقتل مدنيين اثنين في مواجهات مماثلة غرب مدينة السويداء.
وتسود المحافظة حالة من التوتر منذ اشتباكات يوليو من العام الماضي بين الدروز والقوات الموالية للحكومة، والتي أدت إلى اندلاع أسوأ أعمال عنف طائفي منذ سقوط بشار الأسد عام 2024.
وبين دعوة واشنطن إلى عودة الحكم السوري وتحذيرات إسرائيل من أي تحرك في الجنوب، تبدو رسالة باراك أقرب إلى دعم مشروط لإعادة السويداء إلى سلطة الدولة: عودة سياسية ومدنية تحفظ حقوق الدروز، من دون عملية عسكرية تفتح مواجهة جديدة داخل المحافظة أو مع إسرائيل.





