لم تعد ناقلات النفط مجرد أداة للالتفاف على العقوبات الأميركية، بل تحولت إلى أهداف عسكرية مباشرة. فبضرب ثلاث ناقلات إيرانية في يوم واحد، دشنت إدارة الرئيس دونالد ترامب مرحلة جديدة من المواجهة مع طهران، تقوم على إحراق وإغراق "أسطول الظل" وقطع الشريان الذي يموّل الحرس الثوري ووكلاءه.
في المقابل، بدا أن إيران، التي توعدت السفن العابرة في مضيق هرمز، عاجزة عن حماية ناقلاتها قبالة سواحلها، بينما لم تثبت حتى الآن مزاعمها بشأن إصابة القطع العسكرية الأميركية.
ناقلة بناقلة
أعلنت القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم" أن قواتها ضربت ثلاث ناقلات نفط إيرانية، رداً على إطلاق الحرس الثوري صواريخ باليستية باتجاه حاملة طائرات ومدمرة أميركيتين.
وقال قائد "سنتكوم" الأدميرال براد كوبر: "إذا أطلقتم النار على اثنتين من سفننا، فسنفرض عليكم كلفة اقتصادية أعلى، بإخراج ثلاث من سفنكم".
وبحسب الرواية الأميركية، تمكنت القطعتان الحربيتان من تفادي الهجمات الإيرانية، ولم يصب أي عسكري أميركي.
وفي المقابل، أصابت القوات الأميركية ناقلاتها الثلاث المستهدفة، فعطّلت اثنتين منها "بشكل دائم"، ودمرت الثالثة، وكانت فارغة، بعد مطالبة طاقمها بمغادرتها، وفق رويترز.
ووقعت الضربات في ثلاث مناطق متباعدة نسبياً: الأولى قبالة جزيرة خارك، التي تضم أكبر محطة لتصدير النفط الإيراني، والثانية قرب مدينة جاسك شرقي مضيق هرمز، والثالثة في خليج عُمان.
أسطول مكشوف
وصفت "سنتكوم" الناقلات بأنها جزء من "شبكة ظل" تدر مليارات الدولارات لتمويل الحرس الثوري والجماعات المتحالفة معه في المنطقة.
لكن الرسالة الأميركية تجاوزت الناقلات الثلاث. فقد حذر كوبر من أن القوات الأميركية لن تتردد، عند الضرورة، في تدمير ما وصفه بـ"أسطول النفط الإيراني المحدود والمكشوف".
وهكذا نقلت واشنطن المواجهة الاقتصادية من العقوبات والملاحقة المالية واعتراض الشحنات إلى الاستهداف العسكري المباشر لوسائل نقل النفط.
وباتت الناقلات التي حافظت لسنوات على تدفق الإيرادات الإيرانية تعمل تحت تهديد الصواريخ والطائرات والسفن والغواصات الأميركية.
وتكتسب الضربة قرب جزيرة خارك دلالة خاصة، إذ كانت الجزيرة قبل الحرب منفذاً لنحو 90 في المئة من صادرات الخام الإيراني.
كما سبق لترامب أن لوّح باستهدافها، قبل أن ينشر في 31 أغسطس مقطعاً مولداً بالذكاء الاصطناعي يصورها وهي تتعرض للتدمير، بحسب رويترز.
إيران تضرب الحلقة الأضعف
في المقابل، أعلن الحرس الثوري أنه استهدف ثلاث ناقلات قال إنها كانت تعبر مضيق هرمز عبر "مسارات غير مصرح بها"، مهدداً باستهداف أي سفينة لا تلتزم بالممرات التي تحددها إيران.
كما زعم استهداف ثلاث قطع أميركية، ثم أعلن صباح الأحد إصابة زورق عسكري أميركي مسيّر حاول دخول ما سماها "المنطقة المحمية" في المضيق.
لكن الولايات المتحدة لم تؤكد إصابة الزورق، كما لم يقدم الحرس دليلاً مستقلاً يثبت نجاح هجماته على القطع العسكرية الأميركية، بحسب "أسوشيتيد برس".
وبذلك تظهر مفارقة في المواجهة البحرية: إيران تستطيع تهديد حركة الملاحة واستهداف ناقلات تجارية بوصفها الحلقة الأضعف، لكنها لم تثبت قدرتها على اختراق دفاعات القطع العسكرية الأميركية، في حين نجحت واشنطن في إصابة ثلاث ناقلات إيرانية موزعة بين خارك وجاسك وخليج عُمان.

"ضربات أقوى"
وأكدت طهران تعرض الناقلات الثلاث للهجوم، ووصفت العملية بأنها "عمل يائس" في مواجهة إغلاق مضيق هرمز.
وذكر التلفزيون الإيراني أن الهجوم قرب خارك لم يسفر عن ضحايا، بينما تعرضت ناقلتان قرب جاسك للقصف، إحداهما فارغة والأخرى محملة بالنفط، ونُقل طاقماهما إلى اليابسة.
وهدد مقر خاتم الأنبياء، غرفة العمليات المركزية للقوات المسلحة الإيرانية، بتوجيه ضربات "أقوى من ذي قبل" إلى السفن العسكرية الأميركية، وربما توسيع نطاقها، إذا استمرت واشنطن في استهداف السفن الإيرانية وفرض الحصار البحري.
لكن ميزان الجولة الأولى من حرب الناقلات بدا واضحاً: القطع الأميركية تفادت الصواريخ الإيرانية، في حين أصيبت الناقلات الثلاث التي اختارتها واشنطن.
ومع استمرار تعثر الدبلوماسية، يبدو أن ترامب بدأ تحويل "أسطول الظل" من وسيلة لإنقاذ الاقتصاد الإيراني إلى نقطة ضعفه الأكثر انكشافاً.





