وجد العراق نفسه أمام معادلة شديدة الحساسية، وخيارين لا ثالث لهما، الحفاظ على علاقاته الاقتصادية والسياسية المتشابكة مع إيران، أو حماية وصوله إلى الدولار والنظام المالي الأميركي.

وبينما تلوّح واشنطن بتوسيع العقوبات على شركاء طهران، حذرت القوى السياسية العراقية من أن البلاد تمر بـ"ظرف مالي صعب لا يحتمل المجازفة".

وفي ختام اجتماع ائتلاف إدارة الدولة في القصر الحكومي، بحضور رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، دعا المجتمعون إلى توحيد الموقف الوطني والحفاظ على استقرار العراق وسيادته ومصالحه العليا.

كما شدد الائتلاف على "ضرورة تجنيب العراق انعكاسات العقوبات الأميركية التي تُفرض على بعض الدول"، في تحذير يكشف حجم القلق داخل بغداد من وصول حملة الضغط الاقتصادي على إيران إلى المصارف والشركات والمؤسسات العراقية.

الدولار ورقة واشنطن

لا يواجه العراق عقوبات أميركية شاملة في الوقت الحالي، لكن موقعه المالي يجعله أكثر عرضة للضغط من دول أخرى تتعامل مع إيران.

فبحسب وكالة "رويترز"، تُحفظ عائدات النفط العراقية بالدولار بصورة أساسية عبر حسابات لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ما يمنح واشنطن نفوذاً واسعاً على تدفق العملة الصعبة إلى البلاد.

ويعتمد الاقتصاد العراقي بصورة كبيرة على النفط في تمويل الموازنة والإنفاق الحكومي، بينما يحتاج البنك المركزي إلى الدولار لتمويل التجارة الخارجية والمحافظة على استقرار سعر صرف الدينار.

وسبق للولايات المتحدة أن فرضت قيوداً وعقوبات على مصارف عراقية اتهمتها بتسهيل تحويل الأموال إلى إيران أو التعامل مع جهات مرتبطة بها.

وفي أبريل 2026، أوقفت واشنطن شحنة نقدية تراوحت قيمتها بين 450 و500 مليون دولار كانت متجهة إلى العراق، في خطوة مرتبطة بالضغط على الفصائل الموالية لطهران، قبل التوصل لاحقاً إلى تفاهمات بشأن تشديد الرقابة المالية، بحسب رويترز.

Image 1

إيران داخل السوق العراقية

في المقابل، لا تستطيع بغداد فك ارتباطها الاقتصادي مع طهران بسهولة. فقد تجاوز حجم التجارة بين البلدين 10 مليارات دولار خلال عام 2025، وفق "رويترز"، وتشمل المبادلات مجموعة واسعة من السلع والمنتجات، فضلاً عن ارتباطات في قطاع الطاقة.

هذا التشابك يضع العراق أمام خيارات محدودة؛ إذ إن مواصلة التعامل مع إيران بالوتيرة نفسها قد تعرّض مؤسسات عراقية للعقوبات الثانوية الأميركية، بينما يؤدي تقليص العلاقات سريعاً إلى اضطراب الأسواق وسلاسل التوريد ومصالح قوى سياسية واقتصادية نافذة.

ولا تعني معادلة "الدولار أم التومان" أن العملة الإيرانية تنافس الدولار داخل العراق، بل تعبّر عن الصراع بين اعتماد بغداد المالي على الولايات المتحدة وارتباطها التجاري والسياسي العميق بإيران.

عقوبات أسبوعية

تزداد مخاوف بغداد مع إعلان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن واشنطن تعتزم فرض عقوبات ثانوية جديدة بصورة أسبوعية، تبدأ بالمؤسسات المالية التي تساعد إيران على الوصول إلى النظام المالي الدولي.

وتشمل العقوبات الثانوية جهات لا تكون أميركية أو إيرانية بالضرورة، لكنها تتعامل مع مؤسسات أو شبكات تفرض عليها واشنطن عقوبات. وقد يصل أثرها إلى منع المصارف المستهدفة من التعامل بالدولار أو الوصول إلى النظام المالي الأميركي.

وترى "رويترز" أن العراق قد يشكل نموذجاً لقدرة الولايات المتحدة على الضغط على شركاء إيران التجاريين، بسبب هشاشة قطاعه المصرفي واعتماده على تدفقات الدولار، إضافة إلى نفوذ الفصائل المتحالفة مع طهران داخل مؤسسات الدولة.

تم إخفاء المحتوى المضمّن

يمكنك تغيير ذلك في أي وقت.

الاقتصاد لا يحتمل الصدمة

يمكن أن يؤدي تشديد القيود على الدولار إلى ارتفاع سعره في السوق الموازية وتراجع قيمة الدينار وزيادة كلفة الاستيراد، بما ينعكس على أسعار السلع والخدمات. كما قد تتعرض المصارف العراقية لمزيد من القيود إذا لم تستوف متطلبات الرقابة على التحويلات ومكافحة غسل الأموال.

ومن هنا، يبدو تحذير ائتلاف إدارة الدولة موجهاً إلى الداخل بقدر ما هو رسالة إلى واشنطن. فالحكومة مطالبة بضبط حركة الأموال ومنع استخدام النظام المصرفي لتمويل جهات خاضعة للعقوبات، فيما يتعين على القوى المرتبطة بإيران تجنب خطوات قد تمنح الولايات المتحدة مبررات لفرض إجراءات جديدة.

وجدد المجتمعون دعمهم لحملة مكافحة الفساد وملاحقة الفاسدين وإجراءات السلطة القضائية، كما ناقشوا مشروع قانون هيئة الرقابة الداخلية الاتحادية والقوانين التي تحتاجها الحكومة لتنفيذ برامجها.