على مدى سنوات، كانت الصين شريان الحياة الأهم لصادرات النفط الإيرانية في مواجهة العقوبات الغربية. وحتى عام 2025، كانت تستحوذ على أكثر من 80% من النفط الإيراني المشحون بحراً، لكن بعد 6 أشهر من الحرب وإعادة فرض الحصار البحري الأميركي في منتصف يوليو، بدأت هذه المعادلة تتغير. فالمشكلة لم تعد في إيجاد مشترٍ للنفط الإيراني بقدر ما أصبحت في قدرة إيران على إيصال نفطها إلى الصين أصلاً.
الصين تبدأ البحث عن البديل
نظرا لذلك، بدأ بعض المشترين الصينيين بالفعل التحول إلى نفط دول أخرى، مع تراجع المعروض الإيراني وارتفاع تكلفته، وفقا لصحيفة "وول ستريت جورنال".
كما أصبح الخام الإيراني، الذي كان يجذب المصافي الصينية المستقلة بسبب الخصومات الكبيرة، في بعض الحالات أغلى من الإمدادات المنافسة بسبب ندرته.
كذلك رصدت وكالة "رويترز" اتجاهاً مماثلاً في أغسطس، إذ اشترت إحدى المصافي الصينية المستقلة خاماً برازيلياً، بينما بحثت أخرى عن خام البصرة العراقي.
أتى هذا بعدما بلغ متوسط مشتريات الصين من النفط الإيراني نحو 1.4 مليون برميل يومياً خلال 2025، وفق Kpler. لكن الواردات هبطت إلى 785 ألف برميل يومياً في يونيو 2026، ثم قُدرت بنحو 823 ألفاً في يوليو، قبل أن تتراجع إلى نحو 534 ألف برميل يومياً في أغسطس وفق البيانات الأولية التي نقلتها رويترز، ما يعني وفق البيانات، أن الحصار الأميركي بدأ يفصل عملياً بين البائع الإيراني والمشتري الصيني.
المخزون ينفد
وبينما لا تزال إيران قادرة مؤقتاً على البيع للصين من النفط الذي سبق أن نقلته خارج منطقة الحصار، أفادت "وول ستريت جورنال" بأن هذه الكميات انخفضت من نحو 90 مليون برميل في منتصف يوليو إلى 29 مليوناً فقط، وقد ينفد المخزون المتاح بحلول منتصف أكتوبر إذا استمرت عمليات التسليم بالمعدل الحالي.
وهنا تصبح المشكلة أخطر بالنسبة لطهران، إذ حتى لو أرادت الصين شراء النفط الإيراني، قد لا تجد كميات جديدة متاحة للتسليم.
رغم هذا، لم تعلن الصين وقف شراء النفط الإيراني، كما أن بكين تعارض العقوبات الأميركية الأحادية، في حين أن المصافي الصينية استمرت تاريخياً في شراء النفط الإيراني رغم العقوبات.
الخطر الأكبر
لكن إيران تواجه خطراً آخر، يكمن بأن تؤدي فترة انقطاع طويلة إلى إعادة تشكيل سلاسل توريد المصافي الصينية لصالح دول أخرى.
وعندها لن تكون خسارة طهران مجرد براميل لم تستطع تصديرها أثناء الحرب، بل جزءاً من السوق الصينية التي اعتمدت عليها لسنوات للتحايل على العزلة الاقتصادية.
ورأى وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن ذلك ممكن، رافضاً فرضية أن نجاح خطة خنق الاقتصاد الإيراني يتطلب تعاون الصين، إذ قال لشبكة "CNBC" الأميركية إن واشنطن تستطيع مواصلة الضغط على طهران حتى إذا استمرت بكين في شراء النفط الإيراني.
ويستند بيسنت في هذا الرهان إلى تراجع قدرة إيران على إيصال نفط جديد إلى الأسواق، مشيراً إلى أنه لم يتبق سوى نحو 30 مليون برميل من الخام الإيراني على متن السفن بسبب الحصار.
وبحسب رؤيته، فإن استمرار حصول طهران على عائدات من الصين لن يكون كافياً إذا تقلصت كميات النفط التي تستطيع تصديرها، قائلاً إن هذا المورد "سينفد في نهاية المطاف".
في الوقت نفسه قلل بيسنت من حجم الخلاف مع بكين حول الملف الإيراني، معتبراً أن نقاط الاتفاق بين البلدين تفوق نقاط الاختلاف، خصوصاً في ما يتعلق بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي وضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام حركة الملاحة، وفق تعبيره.
موجة جديدة عنيفة
يذكر أن المواجهة بين واشنطن وطهران كانت دخلت موجة جديدة أكثر حدة، بعدما أعادت إدارة الرئيس دونالد ترامب سلاح العقوبات إلى صدارة أدوات الضغط على إيران، عبر إطلاق عملية "المنبوذ الاقتصادي"، التي تقول الإدارة الأميركية إنها تتضمن "أقوى عقوبات في التاريخ"، في محاولة لنقل المواجهة من الميدان العسكري إلى حصار مالي وتجاري يستهدف مصادر العملة الأجنبية وشبكات تمويل الاقتصاد الإيراني.
إلى ذلك، أتت العودة إلى الضغط الاقتصادي مع انتهاء هدنة هشة استمرت شهرين منذ توقيع مذكرة إسلام آباد بين واشنطن وطهران، وتعثر المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب التي بدأت في أواخر فبراير الماضي.





