لم تعد تداعيات الحرب في إيران مقتصرة على الجبهات أو اضطراب التجارة وإيرادات الدولة، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، من موائد الطعام والإيجارات إلى فرص العمل والتعليم.

ومع تسارع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، تجد عائلات إيرانية نفسها أمام خيارات صعبة، بينها الاستغناء عن احتياجات أساسية، والعودة إلى منازل الأهل، والتخلي عن أحلام طالما عملت لتحقيقها.

وتحدثت رويترز إلى أكثر من عشرين شخصا من خلفيات اجتماعية واقتصادية مختلفة في أنحاء إيران، قالوا إن تدهور الأوضاع جعلهم يجدون صعوبة في توفير الغذاء والسكن والرعاية الصحية والتعليم.

Image 1

"راتب لعشرة أيام فقط"

في مدينة أصفهان وسط إيران، لا يكفي راتب محمود، الموظف الحكومي البالغ 44 عامًا، لتغطية نفقات أسرته طوال الشهر.

يقول محمود إن راتبه، الذي يقل عن 100 دولار، لا يوفر ما يكفي للعيش سوى عشرة أيام، في إشارة إلى اتساع الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة.

ولا تقتصر الأزمة على الاحتياجات الأساسية، إذ باتت طلبات ابنتيه، مثل شراء لعبة أو ملابس جديدة، مصدرًا للحرج والعجز بالنسبة إليه ولزوجته.

Image 1

فقدان الوظيفة يطرد عائلة من منزلها

في مدينة رشت شمالي إيران، اضطرت حميدة، البالغة 39 عامًا والأم لطفلين، إلى الانتقال مع أسرتها إلى منزل والديها، بعدما فقد زوجها عمله في مصنع صغير للبلاط.

وتقول إن زوجها سُرّح من العمل في مايو، وإن الأسرة أنفقت مدخراتها قبل أن تجد نفسها عاجزة عن دفع الإيجار.

وتزداد الضغوط مع ارتفاع الإيجارات وتكاليف السكن والخدمات والوقود، في وقت تتراجع فيه فرص العمل وتفقد الرواتب قدرتها على مواكبة الأسعار.

Image 1

شهادة جامعية بلا وظيفة

لم يمنح التخرج في تخصص الإعلان فيروزَه، البالغة 23 عامًا، فرصة سهلة لدخول سوق العمل. فبعد أشهر من البحث عن وظيفة، بدأت الشابة المقيمة في مدينة أرومية شمال غربي إيران تفقد الأمل في العثور على عمل يتناسب مع دراستها.

وتعيش فيروزَه مع والديها، وتقول إن الشركات تخفض ميزانياتها بدلًا من توظيف موظفين جدد، وإن عددًا كبيرًا من زملائها إما عاطل عن العمل أو يعمل في مجالات لا تتصل بتخصصاتهم الجامعية.

Image 1

من تركيا إلى إيران.. الدراسة في الخارج حلم

بالنسبة إلى شهريار، البالغ 25 عامًا، لم تكن العودة إلى إيران جزءًا من خطته المستقبلية. فقد أمضى عامين في تركيا لدراسة الطب، في مسار أراد والداه أن يفتح أمامه أبوابًا مهنية أفضل.

لكن تراجع قيمة العملة الإيرانية وارتفاع تكلفة الدراسة في الخارج جعلاه عاجزًا عن دفع الرسوم الجامعية للعام الحالي، ليضطر إلى العودة إلى بلاده.

ويقول شهريار، الذي تحدث إلى رويترز من إسطنبول: "والداي موظفان حكوميان، وكان حلمهما إرسالي إلى الخارج لأصبح طبيبًا. لكن بعد عامين من الدراسة في تركيا، لم أتمكن من دفع الرسوم الجامعية لهذا العام، وأنا عائد إلى الوطن".

Image 1

"لا مال ولا مستقبل ولا أمل"

في مدينة مشهد شمال شرقي إيران، يلخص محمدعلي، البالغ 47 عامًا، وهو صاحب متجر وأب لطفلين، شعورًا يتجاوز القلق بشأن الأسعار إلى الخوف من المستقبل.

ويقول: "ليس لدينا مال ولا مستقبل ولا أمل. لقد تعبنا من العيش في خوف، الخوف من هجوم أميركي آخر، والخوف من ألا نتمكن من تدبير نفقاتنا مع نهاية كل شهر".

Image 1

أرقام تكشف اتساع الأزمة

تأتي هذه الشهادات في ظل ارتفاع حاد في الأسعار وتراجع القدرة الشرائية. ووفق بيانات رسمية وأرقام أوردتها وسائل إعلام حكومية، ارتفعت أسعار المستهلكين في سبتمبر بنحو 90 في المئة مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، فيما تسارع التضخم السنوي إلى 73.6 في المئة.

وكان ارتفاع أسعار الغذاء والمشروبات أشد وطأة، إذ زادت تكلفتها بنسبة 121.8 في المئة على أساس سنوي، ما دفع أسرًا كثيرة إلى تقليص إنفاقها على احتياجات أخرى.

وتُقدّر الكلفة الشهرية الدنيا لمعيشة أسرة عاملة من ثلاثة أفراد بنحو 336 دولارًا، أي أكثر من ثلاثة أضعاف متوسط الأجر الشهري البالغ نحو 92 دولارًا وفق سعر الصرف في السوق الحرة.

كما ارتفعت الإيجارات بنسبة 32.8 في المئة خلال سبتمبر مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، فيما زادت تكاليف السكن والخدمات والوقود بنحو 38 في المئة.

ولا تقتصر الضغوط على الأسعار، فقد ارتفع معدل البطالة الرسمي إلى 9.1 في المئة خلال الربيع، بزيادة قدرها 1.8 نقطة مئوية مقارنة بالعام السابق. وتراجع معدل المشاركة الاقتصادية إلى 40.7 في المئة، فيما اقتربت البطالة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا من ربع هذه الفئة.

في المقابل، فقد الريال الإيراني أكثر من نصف قيمته خلال عام، ما زاد تكلفة السلع المستوردة والدراسة في الخارج، وأضعف قدرة الأسر على الحفاظ على مستوى معيشتها.

Image 1

الحرب والعقوبات تضاعفان الضغوط

وتفاقمت الأزمة الاقتصادية مع استمرار الحرب التي بدأت في 28 فبراير، عقب ضربات أميركية وإسرائيلية على إيران، قبل أن تغلق طهران مضيق هرمز وتفرض الولايات المتحدة حصارًا على الموانئ الإيرانية.

وأدت الاضطرابات إلى التأثير في صادرات النفط والتجارة وإيرادات الحكومة، وفق رويترز.

وتضاف تداعيات الحرب إلى سنوات من العقوبات وسوء الإدارة الاقتصادية. كما فرضت واشنطن في 24 أغسطس عقوبات موسعة ضمن ما أطلقت عليه "عملية المنبوذ الاقتصادي"، بهدف تقليص تمويل طهران للحرب، بحسب التقرير.

وتواجه الشركات بدورها ارتفاعًا في تكاليف الاستيراد وصعوبة في الوصول إلى العملات الأجنبية والمواد الخام، فيما تتراجع قدرة المستهلكين على الإنفاق. ويهدد اجتماع هذه العوامل إيرادات الأعمال وفرص العمل في وقت واحد.

وتخشى السلطات أن يؤدي تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع البطالة إلى تجدد الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة. وكان الغضب من الأوضاع الاقتصادية أحد العوامل التي غذّت موجات سابقة من الاحتجاجات، التي واجهتها السلطة الحاكمة بحملات قمع واسعة أودت، وفق مسؤولين إيرانيين ومنظمات حقوقية، بحياة آلاف الأشخاص في يناير.