بدأت الاحتجاجات الطلابية في فرنسا من مجموعات صغيرة على تطبيق "سناب شات"، قبل أن تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي وتتحول إلى حركة احتجاجية واسعة. وبعد أسابيع من التعبئة والمظاهرات، أصبحت هذه المنصات نفسها هدفًا لإجراءات حكومية قد تصل إلى حجبها مؤقتًا.
وبحسب تحقيق نشرته صحيفة "لوموند"، السبت، فإن الحكومة الفرنسية لم تتوقع في البداية حجم التعبئة عبر الإنترنت، لكنها اتجهت لاحقًا إلى مطالبة شركات التكنولوجيا بتشديد الرقابة على المحتوى، وصولًا إلى تعديل تشريعي يتيح حجب المواقع والمنصات التي لا تستجيب لطلبات إزالة المنشورات المحرضة على العنف.
كيف بدأت الاحتجاجات؟
في 18 سبتمبر، استخدم طلاب ثانوية "أنطوان دو سانت إكزوبيري" بمدينة كريتاي مجموعة على "سناب شات" لتنظيم إغلاق مدرستهم، احتجاجًا على نقص المعلمين وتدهور المرافق وغياب الممرضة المدرسية.
وسرعان ما انتقلت الدعوات إلى مدارس أخرى، بينما تحولت حسابات "إنستغرام" إلى وسيلة لنشر المطالب ومواعيد التجمعات، واستخدم الطلاب مجموعات خاصة على "واتساب" و"سناب شات" لتنسيق تحركاتهم.
وساهمت مقاطع الفيديو في توسيع انتشار الاحتجاجات، بينها فيديو للنائب الفرنسي لويس بويار حقق أكثر من 1.5 مليون مشاهدة على "تيك توك".
وفي 17 أكتوبر، شهدت فرنسا مظاهرات واسعة تخللت بعضها أعمال عنف ونهب، وانتشرت مشاهد المواجهات عبر الإنترنت. ووفق شركة "فيزيبراين" المتخصصة في تحليل شبكات التواصل، سجل المحتوى المرتبط بالأحداث نحو 800 مليون مشاهدة على "تيك توك".
الحكومة تتحرك ضد المنصات
بعد أحداث 17 أكتوبر، اتهم وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز منصات التواصل بالمساهمة في تسهيل أعمال العنف، ولوّح بإمكان تعليق عمل بعضها مؤقتًا إذا تكررت الاضطرابات.
وكشفت "لوموند" أن الحكومة عقدت اجتماعات مع ممثلين عن "تيك توك" و"إنستغرام" و"سناب شات" يومي 20 و21 أكتوبر، وطالبتهم بتعزيز إجراءات مراقبة المحتوى.
واستجابت الشركات بإجراءات إضافية، بينها تخصيص فريق لدى شركة "ميتا" لمتابعة المنشورات المرتبطة بالاحتجاجات.
لكن التحركات الحكومية لم تتوقف عند هذه الاجتماعات.
فبحسب موقع "بلاست" الفرنسي، خاطب مكتب رئيس الوزراء، في 22 أكتوبر، شركات الاتصالات الرئيسية للاستفسار عن إمكانية تعليق الوصول إلى "تيك توك" و"سناب شات" و"إنستغرام" و"إكس" إذا تجددت أعمال العنف.
كما كشف موقع "لانفورميه" أن الحكومة وجهت مراسلات إلى شركات التواصل بشأن إجراءات تتعلق بالبث المباشر وخدمات تحديد المواقع الجغرافية.
24 ساعة لإزالة المحتوى
في 27 أكتوبر، أقر مجلس الشيوخ الفرنسي تعديلًا حكوميًا ضمن مشروع قانون "المخرّبون يدفعون الثمن"، يمنح السلطات الإدارية صلاحيات أوسع للتعامل مع المنشورات التي تحرض مباشرة على العنف والسرقة والتخريب، عندما يُحتمل أن تتسبب باضطرابات خطيرة في النظام العام.
وبحسب نص التعديل رقم 94 المنشور على الموقع الرسمي لمجلس الشيوخ، تستطيع السلطات مطالبة المواقع والمنصات بإزالة هذا المحتوى خلال 24 ساعة.
وفي حال عدم الاستجابة، يمكنها طلب حجب الموقع أو المنصة وإزالته من نتائج محركات البحث، من دون اشتراط صدور قرار قضائي مسبق.
ولا يزال التعديل جزءًا من مشروع قانون لم يستكمل مساره التشريعي.
ماذا عن حرية التعبير؟
أثار التعديل اعتراضات من أعضاء في مجلس الشيوخ، خصوصًا من اليسار، اعتبروا أن توسيع صلاحيات الحجب الإداري قد يهدد حرية التعبير.
ويعيد الجدل إلى الواجهة قرارًا سابقًا لمجلس الدولة الفرنسي، الذي اعتبر حجب "تيك توك" خلال اضطرابات كاليدونيا الجديدة عام 2024 غير قانوني لعدم تناسب الإجراء مع الظروف التي اتُّخذ فيها.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن الإجراءات المقترحة تستهدف التحريض على الجرائم وأعمال العنف، وليس الدعوات السلمية إلى التظاهر.
وبين مطالب الطلاب التي انتشرت عبر الإنترنت، والمخاوف الحكومية من استخدام المنصات في تنظيم أعمال عنف، باتت فرنسا أمام نقاش يتجاوز الاحتجاجات نفسها، إلى حدود تدخل السلطات في عمل شبكات التواصل الاجتماعي.





