بعد أيام من توجه الإسرائيليين إلى صناديق الاقتراع، لا يزال السؤال بشأن هوية رئيس الوزراء المقبل بعيداً عن الحسم. فالأحزاب المناهضة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حصلت مجتمعة على 67 مقعداً من أصل 120 في الكنيست، مقابل 53 مقعداً لمعسكره اليميني والحريدي.
بالمقابل فإن الانقسامات الأيديولوجية العميقة وتضارب الوعود الانتخابية أعادا المعارضة إلى المعضلة نفسها: امتلاك الأغلبية البرلمانية من دون امتلاك طريق واضح لتشكيل حكومة بديلة.
ولا تملك الأحزاب اليهودية، التي تعارض نتنياهو، سوى 48 مقعداً، فيما تعود المقاعد الـ19 المتبقية للقائمة المشتركة ذات الأغلبية العربية وحزب "رعام"، اللذين لا تزال مشاركتهما في أي حكومة جديدة أو دعمهما لها موضع خلاف حاد.
خيارات شديدة الصعوبة
ويتمثل أحد الخيارات المطروحة للإطاحة بنتنياهو في تشكيل حكومة أقلية برئاسة غادي آيزنكوت، زعيم حزب "ياشار" الذي حصل على 21 مقعداً، بالاعتماد على دعم خارجي من الأحزاب العربية. أما الخيار الثاني، فيقوم على استمالة النواب الحريديين، الذين أبدى بعضهم استياء متزايداً من تحالفهم مع نتنياهو.
لكن أياً من المسارين لا يقدم حلاً سهلاً. وحتى إذا نجحت المعارضة في تشكيل حكومة، فإن التباينات الأيديولوجية بين مكوناتها واعتمادها على دعم أطراف من خارج الائتلاف قد يجعلان إدارتها شديدة الصعوبة، ويضعانها أمام خطر الانهيار في أي لحظة.
"ينتظر فشل خصومه"
في المقابل، لا يملك نتنياهو مساراً واضحاً لتشكيل أغلبية خاصة به. فهو يحتاج إلى ثمانية مقاعد إضافية، ما يعني إقناع نواب من المعارضة بالانشقاق عن أحزابهم أو التوصل إلى اتفاق وحدة وطنية مستبعد مع خصومه.
وبذلك، قد يكون الخيار الأكثر واقعية أمامه هو انتظار فشل خصومه في التوصل إلى اتفاق، بما يفتح الباب أمام انتخابات جديدة يأمل أن يتمكن خلالها من استعادة الأغلبية البرلمانية.
كيف يمكن للمعارضة تشكيل حكومة؟
على الرغم من حصولها مجتمعة على 67 مقعداً، تواجه الكتلة المناهضة لنتنياهو تحدياً معقداً يتمثل في تحويل تفوقها البرلماني إلى حكومة قادرة على الحكم.
فالأغلبية التي تمتلكها تمنحها بالفعل نفوذاً كبيراً داخل الكنيست، حيث تتردد تقارير عن تنسيق بين أحزابها لتغيير رئيس البرلمان والسيطرة على جدول الأعمال التشريعي، بما قد يتيح لها تمرير قوانين حتى قبل تشكيل حكومة جديدة.
وإذا اتفقت أحزاب المعارضة على ترشيح شخصية لرئاسة الحكومة أمام الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، فمن المرجح أن يكون غادي آيزنكوت، زعيم حزب "ياشار"، المرشح الأوفر حظاً للحصول على التكليف الأول بتشكيل الحكومة.
لكن الأحزاب المعارضة ذات الأغلبية اليهودية لا تمتلك سوى 48 مقعداً، ما يعني أن أي حكومة تشكلها ستكون على الأرجح حكومة أقلية تعتمد على دعم برلماني من خارج الائتلاف.
وفي ظل تعثر فرص تشكيل حكومة بديلة، لا تزال أمام نتنياهو عدة أوراق يمكن أن يستثمرها للبقاء في السلطة، مستفيداً من الانقسامات داخل المعارضة، سواء عبر الدفع نحو انتخابات جديدة أو استمالة نواب من معسكر خصومه، وهذه أبرزها:
- حكومة أقلية بدعم الأحزاب العربية
يقوم السيناريو الأول على تشكيل ائتلاف أقلية يضم الأحزاب المعارضة الأربعة ذات الأغلبية اليهودية، مع احتمال انضمام النواب الثمانية لحزب "رعام"، والحصول على دعم خارجي من القائمة المشتركة التي تمتلك 11 مقعداً.
- حكومة أقلية بدعم الأحزاب الحريدية
يقوم السيناريو الثاني على الحصول على دعم خارجي من الأحزاب الحريدية، أو على الأقل حزب "يهدوت هتوراه"، الذي كان أحد أكثر حلفاء نتنياهو ولاءً.
- حكومة أقلية بقيادة ليبرمان
على الرغم من أن آيزنكوت يقود أكبر أحزاب المعسكر المناهض لنتنياهو، فإن أحزاب المعارضة لم تتفق بعد على مرشح موحد لرئاسة الحكومة، فيما يطمح كل من بينيت وليبرمان إلى تولي المنصب.
لكن خياراته ليست واسعة، إذ استبعد أيضاً العمل تحت قيادة نتنياهو، وجعل معارضته للأحزاب الحريدية، خصوصاً في ملف التجنيد العسكري، أحد أبرز عناوين برنامجه السياسي.
وفي نهاية المطاف، سواء تولى آيزنكوت أو ليبرمان أو بينيت قيادة المعارضة، فإن تشكيل أي حكومة سيتطلب تقديم تنازلات بشأن الوعود الانتخابية.
كيف يمكن لنتنياهو البقاء في السلطة؟
تبدو الحسابات البرلمانية أقل ملاءمة لنتنياهو. فمعسكره يمتلك 53 مقعداً فقط، أي أقل بثمانية مقاعد من الأغلبية المطلوبة، فيما لا تبدو الأحزاب التي خاضت الانتخابات على أساس إطاحته مستعدة للتراجع عن هذا التعهد.
وقد يجادل نتنياهو بأنه، باعتباره زعيم أكبر حزب في الكنيست، بحصول الليكود على 27 مقعداً، الأحق بتكليفه تشكيل الحكومة من الرئيس الإسرائيلي.
لكن خسارته الأغلبية البرلمانية، وعدم امتلاكه طريقاً واضحاً لتشكيل ائتلاف جديد، يجعلان من غير المرجح أن يمنحه هرتسوغ المحاولة الأولى لتشكيل الحكومة.
ومع ذلك، لا يزال أمام نتنياهو عدد من المسارات المحتملة للبقاء في السلطة، أبرزها تشكيل حكومة وحدة وطنية، أو الذهاب إلى انتخابات جديدة، أو إقناع نواب من المعارضة بالانشقاق والانضمام إلى معسكره.
- حكومة وحدة وطنية
يتمثل أحد الخيارات في تشكيل حكومة وحدة وطنية تجمع نتنياهو بواحد أو أكثر من قادة المعارضة، وربما وفق اتفاق لتناوب رئاسة الوزراء بينهم.
- انتخابات جديدة
ربما يكون الطريق الأكثر مباشرة أمام نتنياهو للبقاء في السلطة هو الذهاب إلى انتخابات جديدة، إذ سيواصل خلال الفترة الفاصلة تولي مهام رئيس الوزراء بصفة حكومة تصريف أعمال.
- استمالة نواب من المعارضة
أما المسار الآخر أمام نتنياهو لتشكيل حكومة وفق التوازنات البرلمانية الحالية، فيتمثل في إقناع عدد كافٍ من نواب المعارضة بالانشقاق عن أحزابهم والانضمام إلى معسكره.
وهذه استراتيجية سبق أن لجأ إليها رئيس الوزراء، إذ ساهم في إسقاط حكومة نفتالي بينيت ويائير لابيد عام.





