تتجه واشنطن لتشهد مرحلة غير مسبوقة من التجاذب الحاد والانسداد السياسي، بعدما أسفرت الانتخابات النصفية الأخيرة عن تغيير جوهري في ميزان القوى لصالح معارضي الرئيس في الهيئة التشريعية. ما طرح تساؤلات عميقة وجوهرية في الأوساط السياسية والشعبية عن مدى قدرة الهيئة التشريعية الجديدة بمجلسيها، (النواب والشيوخ)، على كبح جماح القرارات الرئاسية المثيرة للجدل.
في المقابل، أسئلة حول إمكانية أن يستطيع الرئيس إحباط هذه المحاولات الرقابية والتشريعية المستمرة باستخدام سلاحه الدستوري الأقوى والأكثر حركية وهو حق النقض الرئاسي المباشر.
موعد بدء التقييد التشريعي الفعلي للرئيس
تبدأ صلاحيات الكونغرس الجديد في التقييد المباشر والمشروع قانوناً ابتداءً من الثالث من يناير المقبل، وهو التاريخ الدستوري الرسمي والملزم لأداء أعضاء المجلسين اليمين الدستورية وافتتاح الدورة التشريعية الجديدة. ومنذ تلك اللحظة التاريخية، يفقد الرئيس الغطاء التشريعي الكامل والملائم الذي كان يتمتع به في السابق، وتبدأ معركة علنية لكسر الإرادات وتحديد النفوذ بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في البلاد.
أسلحة الكونغرس الجديد لتقييد الإدارة الرئاسية
يمتلك المجلسان المشكلان للكونغرس حزمة من الأدوات الدستورية، والسياسية، والمالية القوية للغاية، والتي يمكن تفعيلها في شكل متزامن أو بالتدرج للضغط على الإدارة الرئاسية الحالية وتوجيه مساراتها.
وتشمل هذه الأسلحة:
سلطة المال وإقرار الموازنة العامة، إذ يمتلك مجلس النواب دستوريًا السيطرة الحصرية المباشرة على الخزانة العامة وتخصيص الأموال وتوزيع الاعتمادات المالية الموجهة لكافة مؤسسات الدولة.
كما يستطيع المجلس محاولة قطع أو حظر أو تقليص التمويل المالي عن سياسات ومشاريع معينة، مثل العمليات العسكرية الخارجية أو البرامج الداخلية المثيرة للجدل، ومقايضة الإدارة بالتمويل مقابل تنازلات سياسية واضحة.
أيضا التحقيقات الرقابية الموسعة وسلطة الاستدعاء القضائي، حيث تملك اللجان النيابية المختلفة، وبخاصة لجان الرقابة والشؤون الخارجية والعدل، صلاحية فتح تحقيقات موسعة وشاملة في سلوكيات الإدارة، وإصدار مذكرات إحضار ملزمة قانوناً للمسؤولين التنفيذيين والمستشارين، وطلب المستندات الرسمية السرية، وهو ما يسلط الضوء الإعلامي والشعبي على آليات اتخاذ القرار الغامضة داخل الإدارة الحالية.
كذلك هنالك عرقلة وتجميد التعيينات في مجلس الشيوخ، وهنا يتولى مجلس الشيوخ منفردًا سلطة المصادقة وتثبيت تعيين الوزراء والقضاة والمناصب العليا في الأجهزة الأمنية والدبلوماسية. كما يمكن للمعارضة استخدام هذه الصلاحية لتعطيل تعيين المسؤولين القريبين من الرئيس، أو تأخيرها لأشهر طويلة لإجبار مؤسسة الرئاسة على تقديم تنازلات حقيقية في ملفات أخرى.
أخيرا نجد التشريعات المقيدة وحملات التصويت الرمزي، إذ يمكن للمجلسين صوغ وتمرير مشاريع قوانين تسحب صلاحيات استثنائية من الرئيس، أو تفرض قيوداً صارمة على نسب الرسوم الجمركية والاتفاقات التجارية، فضلاً عن تمرير قرارات مشتركة تعبر عن رفض السياسة الخارجية والداخلية للرئيس، ما يُضعف موقفه أمام الحلفاء والخصوم على حد سواء في الساحة الدولية.
خطة ترامب لإحباط التقييد عبر حق النقض الرئاسي
في المقابل، أعلن الرئيس بوضوح وجرأة أنه لن يقف مكتوفا أمام هذه المحاولات التشريعية، بل سيتصدى للغالبية التشريعية الجديدة مستخدماً حزمة كاملة من الصلاحيات التنفيذية والدستورية الواسعة التي تتيح له المناورة والالتفاف وإفشال خطط الكونغرس، وتتمحور خطته المضادة حول النقاط الآتية:
الاستخدام الصارم والكثيف لحق النقض الرئاسي، إذ يمثل حق النقض الجدار الدستوري الأقوى والأكثر متانة لحماية سياسات الرئيس وإحباط تشريعات المعارضة قبل أن تصبح قوانين نافذة. وقد توعد الرئيس باستخدام هذا السلاح بلا تردد لرفض أي مشروع قانون يصدره الكونغرس الجديد يسعى لتقييد صلاحياته أو تعديل نهجه العام.
أيضا هناك إفشال قيود واعتراضات العمليات العسكرية الخارجية، حيث يعتزم الرئيس استخدام حق النقض لإبطال أي قرارات تشريعية أو مشاريع قوانين تحاول إجبار إدارته على سحب القوات من مناطق النزاع، أو حظر تمويل العمليات العسكرية الخارجية القائمة، وتحديداً الحرب والمواجهات القائمة في منطقة إيران، مستنداً إلى صفته الدستورية كقائد أعلى للقوات المسلحة.
أما حماية الرسوم الجمركية والاتفاقات التجارية، فيُلوّح الرئيس باستخدام حق الرئاسي لإفشال أي محاولات جادة من الكونغرس لوضع حد أقصى للرسوم الجمركية التي يفرضها دورياً على البضائع المستوردة من الدول الأخرى، ما يحافظ على قبضته المنفردة على السياسة الاقتصادية الخارجية واستخدامها كأداة ضغط .
وعن تحدي شروط الموازنة وإصدار الأوامر التنفيذية، يستطيع الرئيس أن يوجه حق النقض ضد أي تعديلات يجريها الكونغرس على الموازنة تهدف إلى فرض شروط سياسية معينة، أو محاولة إعادة تمويل البرامج الاجتماعية والصحية التي خفضتها إدارته سابقاً. كما سيتوسع في إصدار المراسيم والأوامر التنفيذية المباشرة لتسيير الأعمال وتوجيه الوزارات من دون الحاجة للرجوع إلى البرلمان.
صعوبة المواجهة السياسية
من المعروف أن استخدام الرئيس المتكرر لحق النقض ينقل الكرة الدستورية مجدداً إلى ملعب الكونغرس، لكن الدستور يضع شرطاً قانونياً تعجيزياً وشديد الصعوبة لتجاوز هذا النقض وإجبار الرئيس على الانصياع والتنفيذ، حيث يتطلب الأمر تصويت غالبية الثلثين في كلا المجلسين (النواب والشيوخ) لإبطال النقض الرئاسي وتحويل المشروع إلى قانون رغماً عن إرادة الرئيس.
وفي ظل الانقسام الحزبي الحاد والاستقطاب السياسي الكبير الذي تشهده البلاد، يصبح من شبه المستحيل على الحزب المعارض حشد وتأمين هذه الغالبية الفائقة والخاصة، نظراً لالتفاف أعضاء حزب الرئيس حوله وحمايتهم لقراراته، ما يجعل حق النقض الرئاسي حصناً منيعاً لا يمكن اختراقه بسهولة، ويمنح ترامب القدرة على شل حركة القوانين المعارضة له تماماً.
صورة المشهد المقبل
لا شك بأن السنتين المقبلتين من الدورة الرئاسية لن تكونا مواجهة يسيرة لأي من الطرفين في واشنطن. فبينما يمتلك الكونغرس الجديد مفاتيح الموازنة العامة، وبدء التحقيقات الصارمة، وتعطيل التعيينات ابتداءً من مطلع عام 2027، يحتفظ الرئيس بحصن النقض الرئاسي الحاسم والأوامر التنفيذية المباشرة التي أعلن بوضوح أنه سيستخدمها كصمام أمان لإفشال أي تشريع ينتقص من صلاحياته الدستورية المكتسبة.
ويضمن المشهد المعقد والمعادلة الصعبة دخول العاصمة في حال ممتدة من الشلل التشريعي والتحكيم السياسي والصراع القضائي المستمر، والذي سيلقي بظلاله الكثيفة على القرارات الاقتصادية والسياسية حتى موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة.





