في مقرّ حزب البعث السابق بمدينة حمص، تحوّلت غرفة استجواب إلى غرفة للدعم النفسي. واستُبدلت الأبواب المعدنية بأخرى خشبية، وأُضيفت مساحة للعب الأطفال وركن للرضاعة. المبنى الذي كانت تصدر منه أوامر بالاعتقال والقتل بات يضمّ أول مركز في سوريا للتعافي الجماعي وجبر الضرر.
ويقدّم المركز دعماً نفسياً للناجين من الاعتقال والتعذيب والعنف الجنسي في عهد بشار الأسد، بحسب تقرير لصحيفة "صنداي تايمز".
وشارك ناجون في تقديم مقترحات لتصميمه، فيما تعتزم الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية افتتاح مراكز مماثلة في دمشق ودير الزور ودرعا. غير أن شهادات معتقلات سابقات تكشف عقبة أمام الوصول إليهنّ، إذ تخشى بعضهنّ أن يعرف محيطهنّ أنهنّ اعتُقلن أصلاً.
حين تخلّت العائلات عن الناجيات
كانت سارة في التاسعة عشرة وأمّاً لطفلين عندما اعتُقلت عام 2015 من عيادة طبيب أسنان. وتروي أنها تعرّضت للاغتصاب والتعذيب في فرع الخطيب بدمشق، وأن عائلتها باعت سيارتها ودفعت 7500 دولار لإطلاق سراحها. وبعد الإفراج عنها، طلّقها زوجها ومنعها من اصطحاب طفليها حين غادرت خشية اعتقالها مجدداً. وعندما التقتهما بعد نحو عشر سنوات، قالا لها إنهما لا يريدانها في حياتهما.
أما فرح، التي اعتُقلت في حمص في يوليو 2024، فتقول إنها تعرّضت للضرب والصعق بالكهرباء. وحين أُفرج عنها بعد سقوط النظام، كانت تتطلّع إلى العودة إلى عائلتها، لكن أشقاءها وأفراداً من عائلة زوجها قطعوا التواصل معها. وهي تكسب رزقها اليوم من الخياطة، فيما ترك ابنها المدرسة ليعمل كهربائياً.
وقالت صابرين شلبي، مديرة "الصندوق العالمي للناجين" في سوريا، إن الوصمة امتدّت في بعض الحالات إلى العمل والسكن. فقد خسرت إحدى المعتقلات السابقات وظيفتها بعدما علم صاحب الشركة باحتجازها، فيما اضطرت أخرى إلى النوم في حديقة بعدما تخلّت عنها عائلتها. وموّل الصندوق ترميم مقرّ البعث، على أن يوفّر أيضاً موظفَين لدعم عمل المركز.
من الدعم النفسي إلى التعويضات
اختارت الهيئة حمص لافتتاح أول مراكزها لما للمدينة من رمزية في الاحتجاجات ضد الأسد. ففي أبريل 2011، أطلقت قوات النظام النار على متظاهرين سلميين تجمعوا قرب برج الساعة. وبعد سقوطه، عُثر داخل مقرّ البعث على وثائق تضمّنت، بحسب الصحيفة، أوامر بإطلاق النار على محتجين وفرض حصار على المدينة القديمة، حيث علق آلاف السكان.
يأتي افتتاح المركز ضمن مسار بدأ في مايو 2025، حين أُنشئت بموجب مرسومين رئاسيين هيئتان منفصلتان للعدالة الانتقالية والمفقودين. وأُنيط بهيئة العدالة الانتقالية كشف حقيقة الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها النظام السابق، والعمل مع الجهات المعنية على محاسبة المسؤولين عنها وجبر الضرر الذي لحق بالضحايا. وفي مداخلة وجّهت إلى السلطات السورية، دعا خبراء أمميون إلى أن تشمل خارطة الطريق أيضاً حفظ ذاكرة الضحايا وضمانات عدم تكرار الانتهاكات.
وبحسب "صنداي تايمز"، لا يزال على الهيئة إعداد سجلّ للضحايا، فيما يدعو "الصندوق العالمي للناجين" الحكومة السورية إلى المضي في إنشاء صندوق التعويضات الموعود. وبينما يتيح مركز حمص للناجيات مكاناً لطلب الدعم النفسي، فإن التعويضات تحمل أثراً مباشراً في حياة من خسرن وظائفهنّ أو سند عائلاتهنّ بعد الإفراج، وقد تساعدهنّ على تأمين احتياجاتهنّ اليومية.





